مقالات

يارب نفهم.. الأهداف الخفية للحرب الإقليمية

بقلم/ اللواء أستاذ دكتور/ أشرف صابر
مساعد وزير الداخلية الأسبق – أستاذ إدارة الاعمال والتنمية البشرية بالخارج

“أبقينا على الأنابيب”.. جملة قالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد ضرب جزيرة خارك، التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني.
دمّر كل شيء… إلا الأنابيب.
فلماذا؟

في 13 مارس 2026، وبعد استهداف الجيش الأمريكي لجزيرة خارك، صرّح ترامب أمام العالم: “دمّرنا كل شيء في الجزيرة، وأبقينا على الأنابيب لأسباب إنسانية”.
هذا ما يُقال أمام الكاميرات… لكن ماذا تقول الاستراتيجية؟

ببساطة، من يريد إسقاط نظام، يدمّر مصدر دخله.
أما من يسعى للسيطرة عليه، فيُبقي هذا المصدر قائمًا… ليتحكم فيه.

ومن هنا، لا يصبح السؤال: من بدأ الحرب؟
بل: من يربح منها؟

الوقائع والأرقام تكشف ما هو أبعد من الشعارات:
قفزت أسهم شركات السلاح منذ اليوم الأول، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 39% خلال يوم واحد، بينما سارعت شركات أمريكية لملء هذا الفراغ، كما أن ثروة نجل ترامب تضاعفت 6 أضعاف منذ تنصيب والده.

وفي مشهد لافت، شهدت الأسواق تقلبات حادة؛ فمجرد تهديد بضرب منشآت الطاقة أدى إلى انهيارات سريعة، بينما أدى تأجيل الضربات إلى انتعاش فوري، ما يعكس نمطًا واضحًا من إدارة التوتر بما يخدم مصالح اقتصادية بعينها.

الهدف يبدو أكثر وضوحًا:
تصعيدٌ حين تهدأ الأسواق… وتهدئةٌ حين تشتعل، بينما تدفع المنطقة الثمن.

فالمنطقة تتعرض منذ أواخر فبراير لهجمات متواصلة، مع خسائر يومية في إيرادات النفط تتراوح بين 700 مليون و1.2 مليار دولار، دون تغير يُذكر في الموقف الأمريكي أو تعزيز ملموس للحماية، رغم التحذيرات المتكررة من اتساع رقعة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة، بما قد يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

وهنا تتكشف معادلة قاسية:
الحليف قد يكون أول من يدفع كلفة الحرب… رغم أنه ليس طرفًا في قرارها.

ورغم أن الخطاب المعلن يربط الحرب بالبرنامج النووي الإيراني، فإن الواقع يشير إلى حرب متعددة الأهداف، تتجاوز ذلك بكثير:
منطقة مُنهكة تبحث عن “ضامن” بشروط جديدة، وسوق طاقة يُعاد تشكيله، وفراغات تُملأ وفقًا لمعادلات النفوذ.

والحقيقة الأعمق أن الهدف النهائي لا يتوقف عند إيران، بل يمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، من خلال ثلاث ركائز رئيسية:

أولًا: الاستنزاف الاقتصادي
استنزاف أحد أكبر اقتصادات المنطقة، عبر ضرب البنية التحتية وفرض أعباء إعادة الإعمار، بما يخلق ضغوطًا مالية طويلة الأمد.

ثانيًا: ضرب الثقة
تحويل منطقة كانت جاذبة للاستثمار والسياحة إلى بؤرة توتر، بما يؤثر على صورتها الاقتصادية عالميًا.

ثالثًا: كسر الاستقلالية
إضعاف القدرة الذاتية للمنطقة، بما يدفعها للاعتماد بشكل أكبر على الضمانات الخارجية، بشروط تُعيد رسم خريطة النفوذ والسيطرة على الموارد.

في ضوء ذلك، يتضح أن الهدف ليس مجرد تدمير أو حتى إضعاف، بل إدارة الموارد، والتحكم في أسواق الطاقة، والسيطرة على ممرات التجارة العالمية.

ويبقى الدرس الأهم:
المنطقة التي لا تبني أمنها الغذائي، ولا تؤمّن طاقتها، ولا تمتلك قرارها الاقتصادي، ستظل دائمًا في موقع من يدفع ثمن قرارات لم يصنعها.

الخروج من هذا الواقع لا يبدأ بتغيير الحلفاء…
بل ببناء القوة من الداخل.

… ويارب نفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى