مصر في قلب العاصفة: الدور الذي لا يُقال… ولماذا يتجاهله الجميع

بقلم اللواء/ حسام سلامة – الخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي
في وقت تتصارع فيه الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل ودول الخليج على إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، يندفع التحليل الإعلامي في اتجاهين سطحيين: إما تضخيم أدوار بعض الدول، أو تجاهل أدوار أخرى بالكامل. وفي الحالتين، يتم إسقاط مصر من المعادلة أو تصويرها كمتفرج. وهذا خطأ فادح.
الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن مصر لا تقف خارج الصراع… بل تدير جزءًا منه، لكن بأسلوب لا يناسب منطق العناوين الصحفية.
أولًا: الغياب العسكري… ليس ضعفًا بل رفض للعبة نفسها
الطرح الساذج يقول: لماذا لم تتحرك مصر عسكريًا كما تفعل دول الخليج؟
الطرح الحقيقي يقول: لماذا تدخل أصلًا في حرب ليست حربها؟
مصر تدرك أن أي دخول عسكري مباشر يعني:
• الانزلاق إلى تحالفات مفروضة قد تضعها عمليًا في نفس الخندق العملياتي مع إسرائيل
• استنزاف عسكري واقتصادي طويل دون مكاسب استراتيجية حقيقية
• فقدان قدرتها على لعب دور “الضابط” لصراع قد ينفلت بالكامل
القرار هنا ليس حيادًا… بل رفض أن تكون أداة في صراع يُدار من خارجها.
ثانيًا: اللوجستيات… السلاح الحقيقي الذي لا يُذكر
بينما تنشغل العناوين بالصواريخ، هناك معركة أخرى تُحسم بهدوء: معركة الإمداد.
ما يحدث فعليًا الآن ليس “استعدادًا مصريًا”… بل تشغيل بالفعل:
• قناة السويس تحولت إلى الشريان البحري الأكثر استقرارًا في المنطقة، في وقت أصبحت فيه طرق الخليج مهددة أو غير مضمونة
• الموانئ المصرية، وعلى رأسها دمياط، دخلت في مسارات تشغيل مرتبطة بحركة تجارة قادمة من الخليج باتجاه أوروبا
• الربط غير المباشر مع مشروعات مثل نيوم يعكس إعادة توجيه حقيقية لمسارات التجارة
• خط سوميد عاد ليكون أحد أهم مسارات الطاقة البديلة بعيدًا عن نقاط التوتر التقليدية
بمعنى أوضح: مصر لا تنتظر الأزمة… بل تستفيد منها وتعيد توجيهها.
ثالثًا: القنوات الأمنية… إدارة التوتر لا حلّه
الحديث عن اتصالات مع أطراف داخل إيران، بما فيها دوائر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ليس خيالًا… لكنه أيضًا ليس كما يُصوَّر.
مصر لا تلعب دور “الوسيط الكبير”… بل تقوم بدور أخطر:
• تمرير رسائل محدودة
• منع سوء التقدير
• احتواء لحظات الانفجار
هذا النوع من الأدوار لا يظهر في الإعلام… لأنه لو ظهر يفقد قيمته.
رابعًا: الدبلوماسية… تأمين موقع قبل إعادة توزيع النفوذ
جولات وزير الخارجية ليست مجاملات دبلوماسية، بل رسائل واضحة:
• مصر موجودة في أي ترتيبات قادمة
• لا يمكن إعادة رسم المنطقة دونها
• مصالحها الاقتصادية في الممرات والطاقة خط أحمر
القاهرة هنا لا تتوسّط… بل تضع نفسها داخل المعادلة بالقوة الناعمة.
خامسًا: غزة… نقطة التحكم التي يتجاهلها الجميع
أي تحليل يتجاهل غزة هو تحليل ناقص.
لأن:
• أي تصعيد مع إيران يمكن أن ينعكس عبر الفصائل
• وأي انفجار في غزة قد يفتح جبهة جديدة بالكامل
ومصر هي الطرف الوحيد القادر فعليًا على ضبط هذا الإيقاع.
بمعنى صريح: من يملك غزة… يملك مفتاح توسيع أو كبح الحرب.
سادسًا: البحر الأحمر… خط الدفاع الحقيقي عن الاقتصاد العالمي
التركيز على الخليج فقط خطأ استراتيجي.
البحر الأحمر هو الامتداد الطبيعي للأزمة، ومصر تتحكم في أحد أهم مفاصله:
• تأمين الملاحة
• منع انتقال الفوضى إلى قناة السويس
أي خلل هنا لا يضرب المنطقة فقط… بل الاقتصاد العالمي بالكامل.
سابعًا: الاستراتيجية المصرية… إبقاء الجميع تحت السيطرة
بينما تسعى أطراف لتحقيق انتصار، مصر تسعى لشيء مختلف تمامًا:
• منع انهيار شامل
• الحفاظ على توازن هش لكنه قابل للاستمرار
• الاستفادة من إعادة توجيه الاقتصاد دون الانخراط في الحرب
هذه ليست سياسة دفاعية… بل إدارة ذكية لأزمة لا تريد أن تنتصر فيها، بل ألا تخسر.
ثامنًا: القرن الإفريقي والحوثيون… الجبهة التي قد تشتعل بصمت
أي تحليل يتجاهل القرن الإفريقي والحوثيين هو تحليل ناقص وخطير.
• الحوثيون في اليمن يمثلون ذراع ضغط مباشر على الملاحة في البحر الأحمر
• أي تصعيد منهم يهدد ليس فقط الخليج، بل قناة السويس نفسها
• القرن الإفريقي (خصوصًا مناطق مثل إريتريا والصومال) يمثل عمقًا استراتيجيًا لأي اضطراب بحري
مصر تدرك أن هذه الجبهة أخطر من الخليج في بعض السيناريوهات، لأن:
• السيطرة فيها أقل
• الفاعلين غير تقليديين
• والتصعيد فيها قد يكون مفاجئًا وغير قابل للاحتواء السريع
لذلك تتحرك مصر في هذه المنطقة بشكل غير صاخب:
• تأمين البحر الأحمر
• متابعة التوازنات في القرن الإفريقي
• منع تحول الحوثيين إلى تهديد دائم للملاحة
بمعنى واضح: القاهرة لا تحمي حدودها فقط… بل تحمي أحد أهم شرايين العالم.
تاسعًا: ماذا لو سحبت مصر هذا الدور؟ (السيناريو الأخطر)
السؤال الذي لا يُطرح كثيرًا: ماذا يحدث لو قررت مصر التراجع أو الانكفاء؟
الإجابة مزعجة:
• اختلال فوري في توازن الملاحة في البحر الأحمر
• زيادة الضغط على الخليج مع غياب البدائل اللوجستية المستقرة
• ارتفاع احتمالات التصعيد غير المحسوب بين إيران وأطراف أخرى
• فتح المجال أمام قوى إقليمية أخرى لملء الفراغ، لكن بدون نفس القدرة على الضبط
بمعنى أدق:
الدور المصري ليس رفاهية… بل صمام أمان غير مُعلن.
غيابه لا يعني فقط فقدان لاعب… بل فقدان “العقل الهادئ” في معادلة مليئة بالأعصاب المشدودة.
الخاتمة: القوة الحقيقية ليست في إطلاق النار… بل في التحكم في مساره
مصر لا تقود الحرب، لكنها تؤثر في مساراتها.
لا تعلن أدوارها، لكنها تمارسها.
لا تبحث عن نصر، لكنها تضمن ألا يتحول الصراع إلى فوضى شاملة تبتلع الجميع.
وفي منطقة يندفع فيها الجميع نحو الحافة… قد تكون الدولة الأكثر خطورة هي تلك التي تعرف كيف تُبقي الآخرين بعيدًا عنها.



