نكبة مستمرة … وشعب يواجه الإبادة ويتمسّك بالحرية

بقلم: جمال سالم
رئيس الهيئة الفلسطينية للثقافة والفنون والتراث
في الخامس عشر من أيار، يقف الشعب الفلسطيني أمام الذكرى الثامنة والسبعين لنكبة عام 1948، تلك الجريمة التاريخية التي لم تكن مجرد حدث عابر في سجلّ الصراعات، بل جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية، وبداية لمأساة شعب اقتُلعت جذوره من أرضه، وهُجّرت عائلاته، ودُمّرت قراه ومدنه، في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي والاقتلاع المنظّم في التاريخ الحديث.
ثمانية وسبعون عامًا مرّت، وما زالت النكبة حيّة تتجدّد كل يوم، لا في الذاكرة الفلسطينية فحسب، بل في واقع شعب ما زال يواجه القتل والتهجير والحصار والاعتقال والتجويع. فالفلسطيني اليوم لا يحيي ذكرى النكبة كحدث من الماضي، بل يعيشها واقعًا مستمرًا بأدوات أكثر دموية ووحشية، في ظل الحرب الإبادية المفتوحة التي تستهدف أبناء شعبنا في جميع المدن الفلسطينية، وخاصة في قطاع غزة، الذي يتعرض لعدوان غير مسبوق طال الإنسان والأرض والحجر والتاريخ.
إن ما يجري في غزة ليس حربًا تقليدية، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُرتكب أمام مرأى العالم وصمته. آلاف الشهداء والجرحى، مدن مدمّرة، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، عائلات أُبيدت بالكامل، مستشفيات ومدارس ومراكز إيواء تحوّلت إلى أهداف للقصف، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني.
وفي قلب هذه المأساة الوطنية، تبقى قضية الأسرى الفلسطينيين شاهدًا حيًا على استمرار النكبة بأشكال مختلفة. فآلاف الأسرى القابعين داخل سجون الاحتلال يواجهون سياسة انتقامية غير مسبوقة، من تعذيب وتجويع وعزل وإهمال طبي وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في محاولة لكسر إرادتهم والنيل من صمودهم الوطني.
إن الأسرى الفلسطينيين ليسوا أرقامًا في السجون، بل هم عنوان الكرامة الوطنية وضمير القضية الفلسطينية الحي، وهم الامتداد الحقيقي لمسيرة النضال الفلسطيني منذ النكبة وحتى اليوم. وما يتعرضون له من جرائم وانتهاكات يمثل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان بينما يصمت أمام معاناة آلاف الأسرى والأسيرات والأطفال المعتقلين.
وفي هذه الذكرى الوطنية الأليمة، نوجّه تحية إجلال وإكبار لأسرانا الأبطال الذين يواجهون السجّان بإيمان لا ينكسر، ونؤكد أن حريتهم ستبقى واجبًا وطنيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا لا يمكن التراجع عنه. كما نجدد العهد بأن تبقى قضية الأسرى في صدارة الوعي الوطني الفلسطيني وفي قلب كل تحرك سياسي وحقوقي وإنساني.
إن النكبة الفلسطينية لم تعد مجرد ذكرى سنوية، بل تحوّلت إلى عنوان لمعاناة شعب بأكمله يواجه الاحتلال والحصار والقتل اليومي، وسط عجز دولي وصمت مخزٍ أمام الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
ومن هنا، فإننا نوجّه نداءً عاجلًا إلى الأمم المتحدة، وإلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية، وإلى أحرار العالم كافة:
أوقفوا حرب الإبادة بحق الشعب الفلسطيني.
أنقذوا قطاع غزة من الموت الجماعي والتجويع والدمار.
تحرّكوا فورًا لحماية الأسرى الفلسطينيين من الجرائم والانتهاكات المتواصلة داخل سجون الاحتلال.
حاسبوا الاحتلال على جرائمه بحق الأطفال والنساء والمدنيين والأسرى، وفق القانون الدولي والإنساني.
إن استمرار الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في الجريمة، وتخلٍ خطير عن المبادئ الإنسانية التي يدّعي العالم الدفاع عنها.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يجدد شعبنا الفلسطيني عهده لشهدائه وجرحاه وأسراه، بأنه سيبقى صامدًا فوق أرضه، متمسكًا بحقوقه الوطنية والتاريخية، مؤمنًا بأن الحرية آتية مهما طال الاحتلال، وأن فلسطين ستبقى عربية حرة عصيّة على الانكسار.
المجد للشهداء…
الحرية للأسرى…
والشفاء للجرحى…
النكبة مستمرة… لكن فلسطين باقية،
والشعب الفلسطيني لن ينكسر.


