مقالات

“وطن على حافة الخوف … من يحمي الناس حين تصبح الجريمة أقرب من الأمان؟”

بقلم/ رحاب فاروق
خبيرة في تصميم وتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والتمكين المجتمعي

لم نكن نتصور أن يصل بنا الأمر إلى هذا القدر من القلق اليومي.
صارت عبارة “أصبحت أعود إلى منزلي مبكرا… لم يعد الشارع كما كان.” تتردد كثيرا هذه العبارة هذه الأيام، تختصر حالة عامة من القلق، وإحساسا متناميا بأن شيئا ما قد تغير.

لم تعد الوقائع التي نطالعها مجرد أخبار عابرة تقرأ وتنسى، بل تحولت إلى مشاهد يومية تترك أثرا عميقا في النفوس، وتطرح سؤالًا ملحا: هل ما زلنا نعيش في أمان؟

حوادث عنف، سرقات في وضح النهار، واعتداءات تمس الجسد والكرامة… كلها مؤشرات لا يمكن التعامل معها بوصفها استثناء، بل كجرس إنذار يستدعي التوقف والتفكير.

الحقيقة التي ينبغي مواجهتها أن الأمان لا يختفي فجأة، بل يتآكل تدريجيًا.

يبدأ الأمر بتجاهل بعض المؤشرات، ثم يتسع الخلل حتى يصبح واقعا مفروضا. وهنا يبرز الغائب الأكبر “الحماية الاجتماعية”.

فالحماية الاجتماعية ليست شعارا نظريا، بل هي شبكة الأمان التي تحافظ على تماسك المجتمع. وعندما تضعف هذه الشبكة، يكون أول ما يتأثر هو شعور الأفراد بالاستقرار والطمأنينة.
ولا يتعلق الأمر بالفقر وحده، بل يمتد إلى الإحساس بالضغط، وغياب العدالة، وانسداد الأفق، وهي عوامل قد تدفع البعض إلى سلوكيات خطرة.

ورغم أهمية المواجهة الأمنية، فإنها لا تكفي بمفردها. فالقضية لا تتعلق فقط بالفعل الإجرامي، بل بالأسباب التي تسبقه وتتراكم في الخفاء.

إن تفعيل الحماية الاجتماعية أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل. ويبدأ ذلك بدعم حقيقي للفئات الأكثر احتياجا، وبنظام تعليمي يركز على بناء الإنسان وتعزيز القيم، وبإعلام مسؤول يسهم في نشر الوعي بدلا من تكريس الخوف.

كما تظل الأسرة حجر الأساس في تشكيل وعي الأفراد، ويظل الحوار داخلها عنصرا حاسما في الوقاية من الانحراف، الحوار الذى فقدناه حقا مع سوء استخدام التكنولوجيا.
أما المدرسة، فعليها أن تؤدي دورها التربوي إلى جانب دورها التعليمي.
ولا يقل دور المجتمع المدني أهمية، إذ يمكنه أن يسهم في التوعية، وتقديم الدعم النفسي، واحتواء الفئات الأكثر عرضة للخطر.

إن ما نواجهه اليوم لا يتعلق بأرقام أو وقائع منفصلة، بل بمستقبل مجتمع وثقة أفراده.

إما أن نعيد بناء منظومة الحماية الاجتماعية بجدية، أو نترك الخوف يتسلل ليصبح جزءا من حياتنا اليومية.
وعلينا أن ندرك أن الخطورة لا تكمن في تصاعد الجريمة فحسب، بل في الاعتياد عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى