مقالات

حتي لا نقع في الفخ

بقلم/ وليد فاروق
الخبير الحقوقي
رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات

في العمل الحقوقي لا تقل أهمية المصطلحات عن أهمية القضايا نفسها لأن اختيار الألفاظ بدقة يساهم في بناء فهم صحيح للقضايا المطروحة ويمنع الخلط بين الحقوق الأساسية المتفق عليها وبين الأطروحات الفكرية أو الاجتماعية محل الجدل.

لذلك فإن ضبط المفاهيم والمصطلحات الحقوقية يظل شرطًا أساسيًا للحفاظ على مصداقية الخطاب الحقوقي وقدرته على التأثير الإيجابي داخل المجتمع.

ومن هذا المنطلق يجب التمييز بين القضايا الحقوقية الجوهرية التي تحظى بإجماع إنساني واسع مثل الحق في الحياة والكرامة الإنسانية والحق في التعليم والصحة والعمل والعدالة ومناهضة التعذيب والاتجار بالبشر ومكافحة العنف ضد النساء والأطفال وحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبين القضايا التي ترتبط بخيارات ثقافية أو اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر.

فليس من الدقة الحقوقية اعتبار كل مطلب أو ممارسة محل جدل مجتمعي قضية حقوقية عالمية بالمعنى ذاته.

وعلى سبيل المثال فإن الدعوات إلى تقنين أو تطبيع الجنس التجاري قد تُطرح في بعض البيئات باعتبارها قضية حقوقية بينما تنظر إليها مجتمعات أخرى من زاوية قانونية وثقافية وأخلاقية مختلفة. ومن ثم فإن احترام خصوصية المجتمعات وموروثها الثقافي يظل عنصرًا أساسيًا في أي نقاش حقوقي جاد.

إن الحقوقية الرشيدة لا تقوم على استنساخ التجارب أو استيراد المصطلحات بل على القراءة الدقيقة للواقع والتمييز بين الحقوق الإنسانية الأساسية التي تستوجب الحماية والتعزيز في كل مكان وبين القضايا الخلافية التي يجب التعامل معها في إطار القانون والثقافة والقيم المجتمعية.

فكلما كان الخطاب الحقوقي أكثر انضباطًا في ألفاظه ومفاهيمه كان أكثر قدرة على خدمة الإنسان والدفاع عن حقوقه بصورة فعالة ومستدامة.

وفي هذا السياق ندعو الصديقات والزميلات في المنظمات والمبادرات النسوية إلى مراجعة استراتيجيات العمل وتطوير رؤى ومبادئ تسهم في حماية النساء وتعزيز حقوقهن في إطار واقع المجتمع وقيمه وموروثه الثقافي.

فالدفاع عن المرأة لا يقتضي بالضرورة استيراد أفكار أو نماذج صيغت لبيئات مختلفة لها ظروفها الخاصة.

إن أمام الحركة النسوية دورًا مهمًا ومؤثرًا في دعم النساء وتمكينهن ومعالجة التحديات الحقيقية التي تواجههن في مجالات التعليم والعمل والحماية من العنف والتمييز.

غير أن الحفاظ على هذا الدور يتطلب الحذر من الانزلاق إلى معارك أو أطروحات بعيدة عن أولويات المجتمع أو متعارضة مع منظومته القيمية. فنجاح أي جهد حقوقي يظل مرهونًا بقدرته على تحقيق التغيير الإيجابي من داخل المجتمع واحترام هويته الثقافية وموروثه الحضاري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى