تحولات ما بعد 2011 في الأحزاب المصرية: هل وُلدت أحزاب أم مجرد كيانات شكلية؟

بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري
نائب رئيس حزب الوعي
حين حدثت اللحظة السياسية الكبرى في يناير 2011، بدا المشهد المصري وكأنه يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف السياسة ذاتها، لا فقط إعادة توزيع الأدوار داخلها، كان التصور العام وقتها أن المجال العام سيفتح أبوابه أمام ولادة أحزاب حقيقية تمتلك أفكارا، ومشروعات، وكوادر، وقواعد اجتماعية، ورؤى متمايزة حول الاقتصاد والدولة والعدالة والتنمية والهوية والعلاقات الخارجية، لكن وبعد أكثر من خمسة عشر عاما على تلك اللحظة المفصلية، يصبح السؤال أكثر إلحاحا وواقعية: هل أنتجت التحولات السياسية بعد 2011 أحزابا حقيقية بالفعل، أم أننا أمام كيانات شكلية انتخابية موسمية لا تعيش إلا داخل مواسم الاستحقاقات ثم تدخل في سبات طويل؟
السؤال هنا ليس ترفا فكريا، بل سؤال يتعلق مباشرة بمستقبل الدولة المصرية ذاتها، فالدول لا تستقر فقط بقوة مؤسساتها الأمنية أو الاقتصادية، بل كذلك بوجود حياة سياسية قادرة على إنتاج نخب، وإدارة خلافات، وامتصاص غضب، وتدوير أفكار، وتجديد دماء المجال العام بصورة مستمرة، وحين تغيب الأحزاب الحقيقية، تتحول السياسة تدريجيا إلى فراغ واسع تملؤه الفردية أو العصبية أو الشعبوية أو حتى اللامبالاة الجماعية.
الحقيقة التي يعرفها الجميع، وإن حاول البعض القفز فوقها، أن جزءا كبيرا من الكيانات التي ظهرت بعد 2011 لم يتأسس انطلاقا من فكرة سياسية واضحة، بل انطلاقا من فرصة سياسية مؤقتة، كثير من هذه التكوينات لم ينشأ حول برنامج اقتصادي أو رؤية اجتماعية أو مشروع وطني متكامل، وإنما حول شخصيات تبحث عن مساحة، أو مجموعات تسعى إلى تموضع سريع داخل مشهد كان مرتبك جدا وقتها، أو شبكات مصالح أدركت أن اللحظة الانتقالية تسمح بإعادة التموضع تحت لافتات حزبية.
ولهذا رأينا خلال سنوات قليلة عشرات الأحزاب التي تحمل أسماء ضخمة وشعارات براقة، لكنها تفتقر إلى أبسط مقومات الحزب السياسي الحقيقي، لا مدارس إعداد كوادر، لا لجان نوعية فاعلة، لا مراكز بحث، لا خطاب سياسي متجدد، لا انتشار جماهيري حقيقي، لا تمويل مستدام، ولا حتى قدرة على إدارة نقاش داخلي صحي، بعض هذه الكيانات تحول فعليا إلى ما يشبه المقر الإداري المغلق الذي يفتح أبوابه فقط عند اقتراب الانتخابات.
الأرقام نفسها تكشف عمق الأزمة، فمصر تضم عددا ضخما من الأحزاب المسجلة، لكن التأثير الفعلي يظل محصورا في نطاق محدود للغاية، نسبة كبيرة من المواطنين لا تستطيع التمييز بين برامج معظم الأحزاب، بل إن قطاعات واسعة لا تعرف أسماء رؤسائها أصلا، وهذا في حد ذاته مؤشر خطير، لأن الحزب الذي لا يملك حضورا مجتمعيا مستمرا يتحول تلقائيا إلى كيان انتخابي لا أكثر.
المعضلة الأكبر أن كثيرا من الأحزاب تعامل مع السياسة باعتبارها نشاطا إعلاميا لا عملا تنظيميا، فتم استبدال بناء القواعد الشعبية بالظهور التلفزيوني، واستبدال العمل الميداني بالبيانات، واستبدال التثقيف السياسي بمنشورات مواقع التواصل، وهكذا نشأت فجوة ضخمة بين الأحزاب والمجتم، المواطن لم يعد يرى الحزب بجواره في أزماته اليومية، ولا في قضايا الأسعار أو البطالة أو التعليم أو الصحة أو النقل أو السكن، بل يراه غالبا فقط أثناء الانتخابات أو عبر تصريحات متبادلة على الشاشات.
والأخطر أن بعض الكيانات وقعت في خطأ استراتيجي بالغ الخطورة، حين اختزلت السياسة كلها في فكرة الوصول إلى المقاعد البرلمانية وكأن البرلمان هو الغاية النهائية لا إحدى أدوات العمل السياسي، بينما الحزب الحقيقي لا يقاس بعدد المقاعد فقط، بل بقدرته على إنتاج كوادر، وصناعة رأي عام، وتقديم حلول، وخلق حالة سياسية ممتدة زمنيا ومجتمعيا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن البيئة السياسية ذاتها بعد 2011 كانت شديدة الاضطراب والتعقيد، فالدولة واجهت تحديات وجودية، من الإرهاب إلى الانهيار الاقتصادي إلى الفوضى الإقليمية إلى الاستقطاب الحاد، وفي ظل هذه الظروف، تعرض المجال الحزبي كله لهزات عنيفة، وأصبح كثير من الأحزاب عاجزا عن بناء نفسه بصورة طبيعية داخل بيئة متوترة وسريعة التحول، لكن رغم ذلك، فإن التحديات لا تبرر بالكامل حالة الضعف البنيوي التي تعانيها الحياة الحزبية حتى الآن.
الحقيقة الأكثر إيلاما أن عددا من الأحزاب لم يسع أصلا إلى التحول لكيانات سياسية عميقة، بعضهم اكتفى بدور الديكور الديمقراطي، وبعضهم تعامل مع الحزب باعتباره منصة شخصية، وبعضهم دخل السياسة بعقلية الشركة لا بعقلية المؤسسة الوطنية، ولذلك رأينا أحزابا تنهار بمجرد اختفاء مؤسسها، أو تتجمد بمجرد انتهاء موسم انتخابي، أو تدخل في صراعات داخلية عبثية حول المواقع والمناصب قبل أن تنجح حتى في بناء وجود حقيقي بالشارع.
كما أن غياب التمايز الفكري الحقيقي بين قطاعات واسعة من الأحزاب خلق حالة من السيولة السياسية الضبابية، المواطن حين ينظر إلى المشهد لا يجد فروقا واضحة في الرؤى الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى السياسية بين كثير من الكيانات، الجميع يتحدث بلغة عامة فضفاضة: دعم الدولة، دعم التنمية، دعم المواطن، دعم الإصلاح، لكن أين التفاصيل؟ أين الاختلافات؟ أين المدارس الفكرية؟ أين الرؤى البديلة؟ السياسة بطبيعتها تقوم على التعدد والتنافس الفكري، لا على النسخ المتكررة من الخطاب ذاته.
ومن أخطر نتائج هذا الوضع أن الأجيال الجديدة بدأت تفقد ثقتها تدريجيا في جدوى العمل الحزبي نفسه، قطاع معتبر من الشباب بات يرى الأحزاب كيانات مغلقة، بطيئة، تقليدية، غير قادرة على تمثيل طموحاته أو التعبير عن لغته أو فهم تحولات العصر. وهنا تكمن أزمة مستقبلية حقيقية، لأن أي نظام سياسي لا يستطيع جذب شبابه إلى العمل العام يواجه مع الوقت مشكلة في تجديد نخبته السياسية.
كذلك فإن أزمة التمويل لعبت دورا معقدا جدا، فالأحزاب التي لا تملك موارد مستقرة تصبح عاجزة عن التوسع والتدريب والعمل الميداني والإعلامي، لكن الأزمة ليست فقط في نقص التمويل، بل أحيانا في غياب الرؤية لكيفية إدارة الموارد المتاحة بكفاءة، بعض الكيانات أنفقت ميزانياتها المحدودة على المظاهر والشعارات واللافتات، بينما أهملت الاستثمار الحقيقي في بناء الإنسان الحزبي.
ومن زاوية أخرى، فإن جزءا من أزمة الأحزاب يعود إلى الثقافة السياسية المجتمعية نفسها، فالمجتمع المصري تاريخيا لم يعرف تقاليد حزبية مستقرة ممتدة لعقود طويلة كما حدث في بعض الديمقراطيات الغربية، فترات الانقطاع السياسي الطويلة، والتقلبات الكبرى، وهيمنة الشخصيات على المؤسسات، كلها عوامل أثرت على تطور الحياة الحزبية بصورة طبيعية، لكن هذا لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، بل يعني أن بناء الأحزاب في مصر يحتاج إلى نفس طويل وعمل تراكمي حقيقي.
ما تحتاجه مصر اليوم ليس مجرد زيادة عدد الأحزاب، بل إعادة تعريف وظيفة الحزب نفسه، الحزب الحقيقي يجب أن يكون مدرسة لإعداد القيادات، ومنصة لإنتاج السياسات، وجسرا بين الدولة والمجتمع، وآلية لصناعة التوافق الوطني، لا مجرد ماكينة انتخابية مؤقتة، نحتاج إلى أحزاب تنزل إلى الشارع لا إلى الاستوديو فقط، تتحدث بلغة الناس لا بلغة النخب المغلقة، تقدم حلولا لا شعارات، وتبني كوادر لا هالات إعلامية.
كما أن الإصلاح الحزبي الحقيقي يبدأ من الداخل، لا يمكن لحزب يفتقد الديمقراطية الداخلية أن يطالب بديمقراطية أوسع بالمجتمع، ولا يمكن لكيان يحتكر القرار داخله عدد محدود من الأشخاص أن يقنع المواطنين بأنه مشروع سياسي حديث، التداول الداخلي، وتمكين الشباب، وإتاحة المساحات للكفاءات، وإدارة الاختلاف بصورة مؤسسية، كلها شروط أساسية لبناء أحزاب قادرة على الاستمرار.
وفي تقديري، فإن السنوات القادمة ستفرض فرزا سياسيا طبيعيا، الكيانات الورقية ستتراجع تدريجيا، بينما ستبقى فقط الأحزاب التي تنجح في التحول من مجرد لافتات انتخابية إلى مؤسسات سياسية حقيقية، المستقبل لن يكون للأكثر ضجيجا، بل للأكثر قدرة على التنظيم، والتأثير، والتجدد، والاقتراب من الناس.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السياسة لا تحتمل الفراغ، فإذا غابت الأحزاب الجادة، ظهرت بدائل أكثر خطورة: الشعبوية، التطرف، العزوف، أو حتى الفوضى الفكرية، ولهذا فإن تقوية الحياة الحزبية ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة تتعلق بالأمن الوطني والاستقرار الاستراتيجي للدولة المصرية.
ويبقى السؤال قائما، وربما أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل تملك الأحزاب المصرية الشجاعة الكافية لإعادة اكتشاف نفسها قبل أن يفقد المجتمع ثقته نهائيا في فكرة الحزب ذاتها؟ لأن التحدي الحقيقي لم يعد فقط كيف نفوز في الانتخابات، بل كيف نصنع حياة سياسية تستحق البقاء.



