مقالات

الأحوال الشخصية بين غياب الحوار وسرقة الأفكار.. هل نُصلح الأسرة أم نُعيد إنتاج أزماتها؟

بقلم: الإعلامية والروائية / بسنت عثمان

لم يعد الجدل الدائر حول قانون الأحوال الشخصية في مصر مجرد نقاش قانوني عابر، بل أصبح انعكاسًا حقيقيًا لحالة من القلق المجتمعي المتزايد تجاه مستقبل الأسرة المصرية.

فحتى الآن، لا تزال مواد مشروع القانون مبعثرة ومترددة بين رؤى متناقضة، دون وجود مسودة مجتمعية واضحة تُعرض بشفافية على الرأي العام، ودون فتح حوار مجتمعي حقيقي يستمع إلى كل الأطراف المعنية بالقضية، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.

فأي قانون يمس الأسرة المصرية، ويعيد تشكيل العلاقات بين الزوج والزوجة والأبناء، لا يمكن أن يخرج للنور بشكل عادل أو متوازن دون مشاركة مجتمعية واسعة، لأن غياب الحوار يعني بالضرورة غياب العدالة، وغياب الإنصاف، وفتح الباب أمام قانون قد يُنظر إليه باعتباره منحازًا لطرف على حساب آخر.

إن الأسرة ليست ملفًا قانونيًا فقط، بل كيان اجتماعي ونفسي واقتصادي شديد التعقيد، وأي محاولة لصياغة قانون بعيدًا عن صوت الناس الحقيقي، ستؤدي إلى إنتاج أزمة جديدة بدلًا من حل الأزمات القائمة.

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: هل نريد قانونًا يهدئ الغضب المجتمعي مؤقتًا؟ أم نريد تشريعًا حقيقيًا يحقق الاستقرار ويحمي الأسرة؟

على مدار السنوات الماضية، طُرحت عشرات الأفكار والمبادرات التي حاولت الاقتراب من جذور الأزمة، لا من نتائجها فقط. ومن بين هذه الأفكار، ما طرحته منذ عام 2016 حول إنشاء “الشرطة الأسرية”، باعتبارها خطوة وقائية تحمي الأسرة قبل وصولها إلى ساحات المحاكم.

كانت الفكرة واضحة وبسيطة وعملية: وحدات متخصصة داخل أقسام الشرطة للتعامل مع النزاعات الأسرية بشكل إنساني وآمن، بعيدًا عن أجواء القضايا الجنائية، مع وجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين مدربين على احتواء الأزمات الأسرية قبل انفجارها.

الفكرة لم تكن رفاهية، بل استجابة لحقيقة مؤلمة نعيشها يوميًا؛ نساء يذهبن إلى أقسام الشرطة برفقة أطفالهن بحثًا عن الأمان، فيجدن أنفسهن وسط المجرمين والمتهمين وقضايا العنف والسرقة والمخدرات، بينما كانت مشكلتهن الأساسية تحتاج فقط إلى تدخل اجتماعي وإنساني مبكر.

لكن المؤسف، أن بعض الأفكار في مجتمعاتنا لا تواجه بالتطوير أو النقاش، بل بالمصادرة أحيانًا. فمنذ سنوات، طرحت فكرة “الشرطة الأسرية” بالصوت والصورة، عبر لقاءات إعلامية ومقالات وأحاديث صحفية موثقة، ومع ذلك، ظهر من يحاول إعادة تقديمها وكأنها فكرة جديدة تُنسب إليه.

وربما ينسى البعض أن الذاكرة الرقمية لا تنسى. فالإنترنت اليوم لا يحفظ فقط الأخبار، بل يحفظ أيضًا الحقوق الفكرية وأسبقية الطرح.

الأمر نفسه ينطبق على فكرة “بنك الأسرة المصرية”، التي قمت بطرحها أيضًا منذ سنوات باعتبارها جزءًا من رؤية أشمل لحماية الأسرة اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس قانونيًا فقط.

الفكرة كانت تقوم على إنشاء كيان مؤسسي مستقل يتولى إدارة النفقات والأحكام المالية الخاصة بالمطلقات والأبناء، ويضمن وصول الحقوق بشكل سريع ومنظم، إلى جانب تقديم قروض ومساعدات اقتصادية للسيدات، خاصة في لحظات الانهيار الأسري التي تتحول فيها المرأة أحيانًا إلى ضحية اقتصادية واجتماعية.

وكان الهدف واضحًا: تقليل الأعباء عن بنك ناصر، وتحويل فكرة “الدعم” إلى منظومة اقتصادية مستدامة تحمي الأسرة من الانهيار.

لكن المدهش أن بعض المحامين المشهورين في ملف الأحوال الشخصية، وبعض المؤسسات العاملة في قضايا المرأة، عادوا لتداول الفكرة وكأنها وليدة اللحظة، دون الإشارة إلى جذورها أو أصحابها الحقيقيين.

وربما الأزمة هنا ليست فقط في سرقة الأفكار، بل في غياب ثقافة الاعتراف والتراكم المعرفي. فالأفكار لا تُبنى من فراغ، ومن يحترم المجتمع يجب أن يحترم أيضًا الملكية الفكرية والجهد الإنساني وراء أي طرح جاد.

ومع ذلك، تبقى القضية الأكبر من الأشخاص والأسماء.

فنحن اليوم أمام حاجة ملحّة إلى حوار مجتمعي حقيقي حول قانون الأحوال الشخصية، حوار لا يقتصر على المحامين أو النواب أو المؤسسات الرسمية فقط، بل يشمل كل الأطراف المتأثرة بالقانون: الرجال، والنساء، والأمهات، والآباء، وخبراء النفس والاجتماع، بل وحتى الأطفال أنفسهم باعتبارهم أصحاب مصلحة حقيقيين في أي قرار يخص الأسرة.

فالطفل الذي يعيش وسط نزاع أسري هو الطرف الأكثر هشاشة، والأكثر تأثرًا، ومع ذلك نادرًا ما يُسأل عن احتياجاته النفسية أو حقه في الأمان والاستقرار.

إننا لا نحتاج فقط إلى قانون جديد، بل إلى فلسفة جديدة في إدارة الأسرة المصرية؛ فلسفة تقوم على الوقاية لا العقاب، وعلى الاحتواء لا الصدام، وعلى العدالة لا الانتصار لطرف ضد آخر.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية… بل صدوره دون وعي مجتمعي حقيقي.

لأن القوانين التي تُكتب بعيدًا عن الناس… غالبًا ما تتحول إلى أزمات جديدة يعيشها الناس كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى