مقالات

حين تتحول الأم إلى خطر .. جريمة لا تغتفر وصمت أشد قسوة

بقلم/ رحاب فاروق
خبيرة في تصميم وتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والتمكين المجتمعي

طفل يحرق مرتين، مرة بالماء المغلي… ومرة بصمت المجتمع

لم يعد الخبر صادما بقدر ما هو كاشف لعطب عميق في ضمير مجتمع يتعامل مع العنف ضد الأطفال كواقعة عابرة، تروى في منشور، وتنسى في اليوم التالي.

“مالك” طفل لم يتجاوز السابعة، ليس أول ضحية، ولن يكون الأخير، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

طفل يدخل مستشفى أهل مصر، جسده يحمل آثار حروق قاسية، لكن ما لا يظهر على الجلد أخطر بكثير: ذاكرة الألم، وصوت الصراخ الذي لم يسمعه أحد، ويد الأم التي كان من المفترض أن تحميه… فإذا بها الأداة التي كسرت فيه الإحساس بالأمان.

أي قسوة تلك التي تدفع أمًا إلى فتح يد طفلها تحت ماء مغلي؟

وأي صمت هذا الذي يجعلنا نمر على الحكاية وكأنها رقم في إحصائية؟

لسنا أمام “حادثة فردية”، هذه الجملة المريحة التي نكررها لنسكت ضمائرنا، نحن أمام نمط متكرر، يتخفى خلف أبواب مغلقة، ويبرر أحيانا بكلمات مثل “تربية” و“تأديب”. لكن الحقيقة أبسط وأقسى هذا عنف صريح. مباشر. ومدمر.

العنف لا يربي طفلا.

العنف يصنع إنسانا خائفا، مهزوزا، أو في لحظة ما … نسخة أخرى من الجاني.

المؤلم أكثر من الحادثة نفسها، هو رد الفعل الباهت.

لا غضب كاف، لا مساءلة حقيقية، لا نقاش مجتمعي جاد حول كيف نوقف هذا النزيف الصامت.

كم طفلا يجب أن يؤذى قبل أن نقرر أن الأمر لم يعد يحتمل؟

كم صرخة يجب أن تُكتم داخل بيت مغلق قبل أن نكسر هذا الصمت؟

المسؤولية هنا ليست فردية فقط، بل جماعية.

مسؤولية قانون يردع بوضوح لا لبس فيه.

مسؤولية إعلام لا يكتفي بالرواية، بل يفتح الملفات المسكوت عنها.

مسؤولية مجتمع يتوقف عن تبرير العنف تحت أي مسمى.

ومسؤوليتنا نحن، أن نرفض التعود.

“مالك” الآن في رحلة علاج طويلة، عمليات وتأهيل وألم يعاد تشكيله كل يوم. لكن السؤال الذي يجب أن يطاردنا: ماذا عن آلاف الأطفال الذين لم يصلوا إلى مستشفى؟ الذين ما زالوا يعيشون داخل نفس الدائرة؟

القضية ليست قصة طفل… بل اختبار لإنسانيتنا.

إما أن ننجح فيه، أو نثبت مرة أخرى أننا نتقن تجاهل الألم… ما دام ليس في بيوتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى