مقالات

القاهرة بعد الحادية عشر.. مدينة بنصف ضوء ونصف صوت

بقلم/ رحاب فاروق
خبيرة في تصميم وتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والتمكين المجتمعي

عند اقتراب الساعة من الحادية عشر مساءً، لا تحتاج إلى ساعة يد لتعرف الوقت. فالشوارع نفسها تخبرك. الأضواء تخفت تدريجيًا، لافتات كانت تملأ المكان صخبًا تنطفئ واحدة تلو الأخرى، وكأن المدينة تعلن بنفسها نهاية يومها.

في مناطق كانت لا تنام، أصبح المشهد مختلفًا. محال تُغلق أبوابها على عجل، وأصحابها يلقون نظرة أخيرة على الشارع قبل الانصراف. لا حديث طويل، ولا زحام ممتد كما كان. فقط خطوات سريعة، ورغبة في اللحاق بما تبقى من الوقت.

لكن الحياة لا تختفي بالكامل، بل تعيد ترتيب نفسها. عند ناصية الشارع، يظل ضوء سوبرماركت مفتوح، وبجواره محل طعام لا يزال يستقبل زبائنه. هنا، تتجمع بقايا اليوم: أشخاص يشترون احتياجات سريعة، أو وجبة متأخرة، في صمت أخف من المعتاد.

إطفاء أنوار الشوارع واللافتات لم يكن مجرد إجراء لتوفير الطاقة، بل غيّر ملامح المكان. ألوان أقل، ضجيج أقل، وحتى الإعلانات التي كانت تفرض حضورها، اختفت فجأة، تاركة الجدران أكثر هدوءًا، وربما أكثر صدقًا.

يقول أحد السكان إن “المدينة أصبحت أهدى، لكن الهدوء نفسه غريب”، بينما يرى آخرون أن هذا التغيير كشف جانبًا لم يكن واضحًا من قبل: كيف يمكن لمدينة مزدحمة أن تتحول، في دقائق، إلى مساحة أبطأ وأقل صخبًا.

وفي هذا الهدوء، تظهر تفاصيل صغيرة لم تكن تُلاحظ من قبل. صوت خطوات على الرصيف، حديث خافت من شرفة، أو حتى صفير الريح بين المباني. أشياء كانت تضيع وسط الضجيج، أصبحت الآن جزءًا من المشهد، تعيد تعريف العلاقة بين الناس ومدينتهم.

ومع مرور الأيام، يبدأ هذا الإيقاع الجديد في الترسخ. يتأقلم البعض سريعًا، بينما يحنّ آخرون إلى صخب اعتادوه طويلًا. لكن القاهرة، كما هي دائمًا، لا ترفض التغيير، بل تستوعبه بطريقتها، وتعيد تشكيله ليصبح جزءًا من حكايتها المستمرة.

وربما لا يتعلق الأمر بموعد إغلاق أو إطفاء إنارة فقط، بل بتجربة يومية جديدة يتعلم الناس التعايش معها. فالقاهرة، كعادتها، لا تتوقف… لكنها هذه المرة تتحرك بإيقاع مختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى