مقالات

هل تحتاج مصر الي هندسة السياسية الحزبية؟

بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري

في لحظة فارقة من تطور الدولة المصرية، وعندما تتسارع وتيرة إعادة البناء على المستويات الاقتصادية والمؤسسية والاستراتيجية، يظهر ويظل سؤال الحياة الحزبية معلقا بين الطموح والواقع وبين الحقيقة والخيال السياسي، وبين النصوص الدستورية التي تفتح المجال لتعددية سياسية، وبين ممارسات على الأرض والتي لم تنجح بعد في تحويل هذا التعدد إلى قوة دافعة حقيقية في مسار الدولة.

ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن بحاجة إلى هندسة سياسية حزبية تعيد ترتيب المشهد، أم أن الإشكال أعمق ويتعلق ببنية الوعي السياسي ذاته؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن مصر تمتلك اليوم ما يزيد عن مائة حزب سياسي مسجل رسمياً، وذلك فقا للبيانات الرسمية، لكن هذا العدد الضخم لا يعكس بالضرورة حيوية سياسية أو تنافسا حقيقيا، بقدر ما يعكس حالة من التضخم الكمي مقابل هشاشة نوعية واضحة، فغالبية هذه الأحزاب لا تمتلك قواعد جماهيرية ممتدة، ولا برامج سياسية قابلة للتطبيق، ولا كوادر مؤهلة لإدارة ملفات معقدة، بل إن بعضها لا يتجاوز كونه كيانا قانونيا بلا أثر فعلي في المجال العام وربما لايعرف اسمه اقل القليل من الرأي العام.

وإذا نظرنا إلى نسب المشاركة السياسية، خاصة في العمل الحزبي، سنجد أن أقل من 2 إلى 3 بالمئة من المواطنين منخرطون بشكل مباشر أو غير مباشر في أنشطة حزبية، وهي نسبة تعكس فجوة عميقة بين المجتمع والأحزاب، وتطرح تساؤلات جدية حول أسباب هذا العزوف، هل هو نتيجة ضعف الأحزاب أم نتيجة فقدان الثقة المتراكم لدى المواطن؟ أم هو انعكاس لخلل في طريقة إدارة المجال السياسي ككل؟

في تقديري، المسألة لا يمكن اختزالها في فكرة الهندسة السياسية بمعناها التقليدي، أي إعادة دمج أو تقليص عدد الأحزاب أو إعادة توزيعها على أساس إداري او جغرافي او أي أساس، لأن هذا الطرح رغم وجاهته الظاهرية، قد يعالج الشكل دون أن يمس الجوهر، فالأزمة الحقيقية ليست في عدد الأحزاب، بل في طبيعة تكوينها، وفي فلسفة عملها، وفي علاقتها بالدولة والمجتمع معا.

الهندسة السياسية الحقيقية يجب أن تبدأ من إعادة تعريف وظيفة الحزب السياسي في مصر، هل هو مجرد منصة انتخابية موسمية؟ أم كيان مجتمعي مستدام يشارك في تشكيل الوعي العام وصناعة القرار؟ الواقع يقول إن معظم الأحزاب لم تحسم هذا السؤال بعد، ولذلك تتحرك في مساحات رمادية، فتفقد تأثيرها تدريجيا.

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل أن الدولة المصرية، بحكم تجربتها التاريخية وتعقيداتها الأمنية والإقليمية، تنظر إلى الاستقرار باعتباره أولوية قصوى، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على طريقة إدارة المجال السياسي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق معادلة دقيقة بين الحفاظ على استقرار الدولة، وبين فتح المجال أمام حياة حزبية فاعلة وقادرة على إنتاج بدائل وسياسات، وليس مجرد تكرار خطاب داعم بلا إضافة نوعية.

وهنا تبرز فكرة “الهندسة الذكية” وليس “الهندسة الصلبة”، أي الانتقال من فكرة فرض شكل معين للحياة الحزبية، إلى خلق بيئة تشجع على التطور الطبيعي للأحزاب وفق معايير واضحة، مثل القدرة على الحشد، والكفاءة التنظيمية، والوضوح الفكري، والقدرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات الناس.

من بين المؤشرات التي يجب التوقف عندها أيضا، أن نسبة كبيرة من الأحزاب المصرية تتركز أنشطتها في القاهرة وبعض المدن الكبرى، بينما تغيب بشكل شبه كامل عن الريف والمحافظات الحدودية، وهو ما يعني أن المجال الحزبي لم يخترق بعد البنية الاجتماعية الحقيقية للدولة، وهذا الخلل لا يمكن معالجته بقرارات إدارية، بل يحتاج إلى إعادة بناء من القاعدة، عبر ربط العمل الحزبي بقضايا الناس اليومية، وليس فقط بالقضايا النخبوية.

كما أن أزمة الكوادر تمثل أحد أخطر التحديات، فالأحزاب في مصر تعاني من نقص واضح في القيادات الوسيطة، وهي الطبقة التي تربط بين القاعدة والقيادة العليا، وتلعب دورا حاسما في استدامة أي تنظيم سياسي، وبدون الاستثمار الحقيقي في بناء هذه الكوادر، ستظل الأحزاب تدور في فلك الشخصيات الفردية حتي وإن تعددت، وهو ما يكرس ظاهرة “الشخصنة” التي أضعفت العمل الحزبي لعقود.

ولا يمكن إغفال دور الإعلام، الذي لم ينجح حتى الآن في تقديم صورة متوازنة للحياة الحزبية، حيث يتراوح بين التجاهل الكامل أحيانا، والتناول السطحي أحيانا أخرى، مما ساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية لدى قطاع واسع من المواطنين، يرى في الأحزاب كيانات بعيدة عن واقعه وغير قادرة على التأثير في حياته.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “هندسة سياسية حزبية” أكثر تعقيدا، فالمطلوب ليس مجرد إعادة ترتيب الكيانات، بل إعادة صياغة العلاقة بين ثلاثة أطراف رئيسية: الدولة، الأحزاب، والمجتمع، وهذه العلاقة يجب أن تقوم على أساس الثقة المتبادلة، والمسؤولية المشتركة، والوضوح في الأدوار.

الدولة مطالبة بتهيئة بيئة أكثر انفتاحا تسمح للأحزاب بالحركة والتفاعل، دون أن يمثل ذلك تهديدا للاستقرار، والأحزاب مطالبة بالخروج من حالة الاعتماد أو الانتظار، والتحول إلى فاعل حقيقي يمتلك رؤية وبرنامجا وقدرة على التنفيذ، أما المجتمع، فيحتاج إلى إعادة اكتشاف قيمة العمل الحزبي كأداة للتعبير والمشاركة، وليس كعبء أو رفاهية سياسية.

ومن زاوية أكثر عمقا، يمكن القول إن مصر لا تحتاج فقط إلى هندسة سياسية، بل إلى “هندسة وعي سياسي”، لأن أي محاولة لإصلاح الشكل دون إصلاح الوعي ستبقى محدودة الأثر، الوعي الجمعي الذي يدرك أن السياسة ليست صراعا على السلطة فقط، بل إدارة للمصالح، وبناء للتوافقات، وتحقيق للتوازن بين الممكن والمأمول.

المستقبل القريب قد يشهد بالفعل نوعا من إعادة تشكيل الخريطة الحزبية، سواء عبر اندماجات أو تحالفات كبرى، وهو اتجاه منطقي في ظل حالة التشظي الحالية، لكن نجاح هذه العملية لن يقاس بعدد الكيانات الناتجة، بل بمدى قدرتها على أن تكون مؤسسات حقيقية، تمتلك عمقا مجتمعيا، ورؤية استراتيجية، وأدوات تنفيذ.

وفي تقديري، فإن اللحظة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة تأسيس العمل الحزبي في مصر على أسس أكثر صلابة، إذا ما تم التعامل معها بعقلية الإصلاح وليس التجميل، وبمنهجية البناء وليس الإدارة المؤقتة للأزمة.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا، ليس فقط أمام صناع القرار، بل أمام كل من ينخرط في العمل العام: هل نريد أحزابا تملأ الفراغ، أم أحزابا تصنع الفارق؟ وهل نكتفي بإعادة ترتيب المشهد، أم نملك الشجاعة لإعادة تعريفه من الأساس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى