ماذا نهدى رسول الله ﷺ في مولده؟

بقلم الدكتورة/ أحلام المطيري
أستاذ مساعد بقسم مجالات الخدمة الاجتماعية – جامعة أسيوط
في حياتنا اعتدنا أن نهدى من نحب في مناسباتهم الخاصة.
فحين يأتي عيد ميلاد صديق، نبحث عن هدية تليق بمكانته في قلوبنا، ونفكر طويلا ماذا يمكن أن يسعده؟
ماذا يمكن أن يعبر عن محبتنا له؟
ونهدي إخوتنا وأصدقاءنا وكل من نحب، ونختار لكل شخص هدية تناسبه، وكأننا نقول له أنت مهم بالنسبة إلى، وأنا أتذكر يوم ميلادك لأنك عزيز على قلبي.
لكنني توقفت أمام سؤال مختلف وهو
إذا كنا نهدى من نحب في أعياد ميلادهم، فماذا نهدي رسول الله ﷺ في ذكرى مولده؟
ماذا يمكن أن نهدى من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور؟
من علّمنا كيف نعبد الله، وكيف نرحم، وكيف نعفو، وكيف نحب؟
من كان رحمة للعالمين، قال الله سبحانه تعالى عنه:
﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾.
والسؤال هنا هل نملك هدية تليق بمقامه ﷺ؟
ربما لا نستطيع أن نقدم له هدية مادية، لكننا نستطيع أن نقدم شيئا أعظم من ذلك وهى محبة صادقة تظهر في أفعالنا.
ومن أجمل ما يمكن أن يفعله من استطاع، أن يزور مدينة رسول الله ﷺ، وأن يقف في مسجده الشريف، ويكثر من الصلاة والسلام عليه، ويستشعر في قلبه عظمة المكان، وشدة الشوق إلى من أحببناه ولم تره أعيننا.
فكما نحرص على أن نكون بجوار من نحب في مناسباتهم، وأن نشاركهم أيامهم ونعبر لهم عن محبتنا، فإن زيارة مسجد رسول الله ﷺ لمن استطاع إليها سبيلا، والصلاة فيه، والسلام على رسول الله ﷺ، من أعظم صور الشوق والمحبة.
وقد لا نستطيع أن نقدم له هدية بأيدينا، ولكن نستطيع أن نحمل سلاما ومحبة وشوقا، وأن نعود من مدينة رسول الله ﷺ بقلوب أكثر تعلقا بسنته، وأخلاق أكثر اقتداء بأخلاقه.
ولمن لم يستطع الزيارة، فباب المحبة ليس مغلقا؛ فليصلّ على النبي ﷺ من مكانه، وليقرأ سيرته، وليتعلم سنته، وليحي أخلاقه في حياته.
أن نصلي عليه ﷺ كثيرا.
وأن نتعلم شيئا من سيرته بدلا من أن نكتفى بسماعها.
وأن نقتدى برحمته عندما نختلف مع الآخرين.
ونتذكر عفوه عند الإساءة.
ونعامل الضعيف برحمة، والفقير بكرامة، والوالدين بإحسان، والناس بأخلاق حسنة.
أي يكون لنا من سنته نصيب في حياتنا، لا في كلماتنا فقط.
فالمحبة الحقيقية للنبي ﷺ ليست مجرد كلمات نقولها، وإنما هي اتباع واقتداء وأخلاق وسلوك.
فلو كان لنا أن نختار هدية معنوية نقدمها في ذكرى مولده ﷺ، فلعل أجملها أن نقول: يا رسول الله، لم نرك بأعيننا، ولكننا أحببناك.
لم نجلس معك، ولكننا صدقنا رسالتك.
لم نسمع صوتك، ولكننا نحاول أن نعيش على هديك.
فاشهد أننا نحاول أن نكون من أمتك التي أحببتها.
ولعل أجمل هدية أيضا أن نصلح شيئا في أنفسنا من أجل سنته.
وأن يكون هذا اليوم بداية لترك ذنب، أو أداء صلاة، أو بر والدين، أو صلة رحم، أو مساعدة محتاج، أو مسامحة إنسان.
فنحن نبحث عن أجمل الهدايا لمن نحب، ونضعها في علب جميلة، ونغلفها بعناية، وننتظر فرحة من نهديها إليه.
فماذا لو كانت هديتنا لرسول الله ﷺ في ذكرى مولده أن نُحيى سنة من سننه، ونقتدى بخلق من أخلاقه، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، وأن نزور مسجده الشريف إذا استطعنا؟
هدية لا تُشترى بالمال، ولا تحتاج إلى متجر، ولا إلى تغليف.
هدية اسمها: محبة صادقة، وسنة تُتبع، وصلاة وسلام، وخُلق يشبه هديه ﷺ.
اللهم ارزقنا حب نبيك محمد ﷺ، وحب سنته، وحسن الاقتداء به، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آلة وصحبه أجمعين.
من الحرم المكي الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول ١٤٤٨ه، ٢٠٢٦/٨/٢٥



