الجيل الصاعد من الشباب السياسي في مصر ما بين التأهيل والتمكين

بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري
نائب رئيس حزب الوعي
يشهد المجال السياسي المصري خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تستحق التوقف أمامها، وهي صعود جيل جديد من الشباب السياسي، ليس باعتباره امتدادا للأجيال السابقة، وإنما باعتباره جيلا تشكل وعيه في ظروف مختلفة، وتعرض لتحديات غير مسبوقة، ويملك أدوات اتصال ومعرفة لم تكن متاحة لمن سبقوه، في رأي هذا الجيل لم يعد يكتفي بدور المتابع أو الناقد، بل أصبح يسعى إلى أن يكون شريكا في صناعة القرار، ومؤثرا في المجال العام، وقادرا على إنتاج رؤى جديدة تتناسب مع طبيعة الجمهورية الجديدة المتطورة ومتطلبات الدولة المصرية في الداخل والخارج.
ورغم أن الشباب يمثلون الكتلة السكانية الأكبر في مصر، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق بعددهم، وإنما بمدى قدرتهم على التحول إلى قوة سياسية منظمة تمتلك الوعي والخبرة والقدرة على الإدارة، وتشير البيانات الرسمية إلى أن فئة الشباب تمثل شريحة واسعة من قاعدة الناخبين، بينما بلغت نسبة النواب دون الخامسة والثلاثين في مجلس النواب نحو 10% في تشكيله الحالي، وهو ما يعكس بداية مسار لتمكين الشباب سياسيا، لكنه لا يزال يحتاج إلى تطوير نوعي أكثر من احتياجه إلى توسع عددي، حيث تجاوز الجيل الجديد فكرة أن السياسة مجرد منافسة انتخابية أو صراع على المواقع، وأصبح أكثر إدراكا بأن السياسة في جوهرها إدارة للمصالح الوطنية، وصناعة للسياسات العامة، وقدرة على قراءة المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، ولذلك فإن معيار النجاح لم يعد يقاس بعمر السياسي، وإنما بامتلاكه الكفاءة والرؤية والقدرة على الإنجاز.
وهذا الجيل يواجه في الوقت نفسه عددا من التحديات البنيوية الصعبة، فالحياة الحزبية المصرية ما زالت تعاني في بعض جوانبها من ضعف آليات اكتشاف الكوادر، وهيمنة بعض القيادات التقليدية، وغياب المسارات المؤسسية الواضحة لتأهيل الصفوف الثانية والثالثة، كما أن بعض الشباب يقفز إلى المشهد السياسي مدفوعا بالحضور الإعلامي أو النشاط الرقمي، دون امتلاك الخبرة التنظيمية أو المعرفة التشريعية أو القدرة على إدارة الملفات العامة.
ومن هنا فإن الفارق بين “الشاب السياسي” و”السياسي الشاب” يصبح فارقا جوهريا، فالأول قد يكون مجرد صاحب عمر صغير، أما الثاني فهو الذي يمتلك أدوات العمل السياسي الحقيقية، ويؤمن بالمؤسسية، ويجيد الحوار، ويتحمل المسؤولية، ويستطيع تحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
ولا يمكن الحديث عن جيل سياسي صاعد دون الإشارة إلى التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا، فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة رئيسية لتكوين الرأي العام، لكنها في الوقت نفسه خلقت وهما لدى البعض بأن عدد المتابعين يعادل حجم التأثير السياسي الحقيقي، والحقيقة أن السياسة لا تدار بالخوارزميات، وإنما بالعمل الميداني، والتنظيم، والتواصل المباشر مع المواطنين، وفهم احتياجاتهم، وصياغة حلول واقعية لمشكلاتهم.
الدولة المصرية اتخذت خلال السنوات الماضية عددا من الخطوات لزيادة مشاركة الشباب في الحياة العامة، سواء من خلال برامج التأهيل أو دعم المشاركة السياسية أو إتاحة مساحات أوسع للحوار، إلا أن هذه الجهود لن تحقق أهدافها الكاملة إلا إذا تزامنت مع تطوير حقيقي داخل الأحزاب السياسية، لتصبح مدارس لإعداد القيادات، لا مجرد منصات انتخابية مؤقتة، كما أن المبادرات الرامية إلى تعزيز المشاركة السياسية للشباب تعكس إدراكا متزايدا لأهمية دمجهم في المجال العام.
ومن وجهة نظري، فإن الجيل السياسي القادم في مصر يجب ألا يكون نسخة مكررة من الأجيال السابقة، بل ينبغي أن يؤسس لثقافة سياسية جديدة تقوم على المعرفة قبل الشعارات، وعلى التخطيط قبل ردود الأفعال، وعلى الحوار قبل الاستقطاب، وعلى التنافس من أجل خدمة الوطن لا من أجل تصفية الحسابات.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة تعريف مفهوم الاستثمار في الشباب، فالاستثمار الحقيقي لا يكون بتعيين الشباب في مواقع شكلية، وإنما بإشراكهم في صناعة القرار، وإدارة الملفات، وتحمل المسؤولية، وخوض التجارب السياسية الكاملة، مع توفير التدريب المستمر والتقييم الموضوعي للأداء.
ولعل أحد أهم التحديات التي تواجه هذا الجيل هو تحقيق التوازن بين الطموح والواقعية، فالطموح مشروع، بل هو شرط أساسي لأي قيادة ناجحة، لكنه يحتاج إلى الصبر، والتدرج، واحترام المؤسسات، والإيمان بأن بناء القيادات عملية تراكمية لا تتحقق بين ليلة وضحاها.
ومصر، وهي تستعد لمراحل جديدة من التنمية والإصلاح، تحتاج إلى نخبة سياسية شابة تمتلك العقل الاستراتيجي، وتفهم الاقتصاد، وتستوعب العلاقات الدولية، وتدرك أهمية الأمن القومي، وتؤمن بأن السياسة ليست مجرد إدارة للأزمات، وإنما صناعة للمستقبل.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل يشارك الشباب في السياسة؟ بل أصبح: أي نوع من الشباب السياسي نريد؟ هل نريد شبابا يجيد الخطابة فقط، أم شبابا يجيد الإدارة؟ هل نريد حضورا إعلاميا أم تأثيرا مجتمعيا؟ وهل نبحث عن قيادات مؤقتة أم عن مشروع وطني لإعداد جيل جديد من رجال ونساء الدولة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد شكل الحياة السياسية المصرية خلال العقد القادم، فالدول لا تنهض بكثرة الشباب فقط، وإنما بنوعية القيادات التي تستطيع تحويل طاقة الشباب إلى مشروع وطني، وتحويل الحماس إلى سياسات، وتحويل الأحلام إلى إنجازات، وهذا هو الرهان الحقيقي الذي يجب أن تكسبه مصر، لأن مستقبل السياسة فيها لن تصنعه الأعمار، وإنما ستصنعه الكفاءات.



