المجتمع المدني الافريقي

تقرير مركز “إيجبشن إنتربرايز”: تدفقات سبتة الأخيرة تعكس تداخل العوامل الاجتماعية مع حسابات التنافس بين المغرب وإسبانيا والجزائر

الجسر – خاص

أكد تقرير صادر عن مركز “إيجبشن إنتربرايز” للسياسات والدراسات أن موجة العبور الجماعي التي شهدتها الحدود المغربية نحو مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية في 31 يوليو 2026، لا يمكن تفسيرها باعتبارها نتيجة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل تعكس تداخلاً بين الضغوط الاجتماعية والتوازنات السياسية والإقليمية التي تحكم العلاقات بين المغرب وإسبانيا والجزائر.

وأوضح التقرير، الذي أعده الدكتور محمد فؤاد رشوان، خبير مجموعة عمل الدراسات الإفريقية بالمركز، أن آلاف الشبان والعائلات عبروا إلى مدينة سبتة برًا وبحرًا في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية منذ أزمة مايو 2021، مشيرًا إلى أن القراءة التقليدية التي تربط الظاهرة بعوامل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل لا تكفي وحدها لفهم أبعاد ما جرى.

وأشار التقرير إلى أن أحد العوامل التي ساهمت في زيادة محاولات العبور تمثل في الجدل الذي أثاره حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية بشأن آليات التعامل مع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة ومليلية، لافتًا إلى أن الحكم تعرض لتفسيرات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، أوحت للكثيرين بأن الوصول إلى الأراضي الإسبانية سباحة يمنح فرصة شبه مضمونة للبقاء، رغم أن الواقع القانوني أكثر تعقيدًا ولا يمنح مثل هذا الحق بصورة تلقائية.

وأضاف التقرير أن الاقتصار على تفسير الأزمة بالعوامل الاجتماعية يغفل – بحسب وصفه – التحول الذي شهدته الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت تمثل إحدى أدوات الضغط الدبلوماسي التي تمتلك الرباط القدرة على توظيفها في علاقاتها مع مدريد، خاصة في الفترات التي تشهد تغيرًا في توازنات المصالح بين الطرفين.

وربط التقرير بين توقيت موجة العبور والزيارة التي أجراها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو الماضي، والتي كانت الأولى منذ الأزمة الدبلوماسية بين البلدين عام 2022.

وأوضح أن الزيارة أسفرت عن اتفاقات لتوسيع تدفقات الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر خط “ميدغاز” البحري المباشر، بما يصل إلى الطاقة الاستيعابية القصوى للخط، فضلًا عن تأكيد سانشيز أن الجزائر أصبحت المورد الأول للغاز الطبيعي إلى إسبانيا خلال عام 2026.

وأشار التقرير إلى أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في إعادة تشغيل خطوط الغاز التي تمر عبر الأراضي المغربية، إذ إن خط الغاز المغاربي – الأوروبي المتوقف منذ عام 2021 لا يزال مغلقًا، وإنما في ترسيخ واقع جديد يقوم على استغناء مدريد الكامل عن مسار الترانزيت المغربي في ملف الطاقة، وهو ما تعتبره الرباط خسارة لإحدى أوراق النفوذ الاقتصادي والسياسي التي كانت تمتلكها.

وتناول التقرير أيضًا انعكاسات الزيارة على ملف الصحراء الغربية، موضحًا أن التقارب الجزائري الإسباني اقتصر على ملفات الطاقة والاستثمار، بينما بقيت مواقف الطرفين السياسية على حالها.

وأشار إلى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون جدد تمسك بلاده بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، في حين لم تتراجع الحكومة الإسبانية عن موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو ما اعتبره التقرير دليلًا على أن التعاون الاقتصادي لم ينعكس على المواقف السياسية المتعلقة بالنزاع.

ورأى التقرير أن المغرب يمتلك القدرة الفنية والأمنية على التحكم في حركة العبور نحو سبتة ومليلية بحكم موقعه الجغرافي، مستشهدًا بأزمة عام 2021 التي شهدت عبور نحو ثمانية آلاف مهاجر خلال يومين بالتزامن مع أزمة استقبال زعيم جبهة البوليساريو للعلاج في إسبانيا.

وأوضح أن السلطات المغربية تنفي وجود أي توظيف سياسي للهجرة، وتُرجع ما حدث إلى الظروف الاقتصادية والضغوط الاجتماعية، فضلًا عن تأثير الحكم القضائي الإسباني، إلا أن التقرير يرى أن ذلك لا يستبعد احتمال وجود تراجع نسبي في إجراءات الضبط الأمني بما يسمح بإرسال رسائل سياسية غير مباشرة دون إعلان رسمي، فيما وصفه بمفهوم “الضغط القابل للإنكار”.

وبحسب التقرير، فإن موجة العبور تحمل ثلاث رسائل متزامنة، تتمثل في تذكير إسبانيا بأهمية الدور المغربي في ضبط الحدود الأوروبية، وإرسال إشارة إلى الجزائر بأن تنامي التعاون مع مدريد لن يمر دون تأثير على معادلات النفوذ الإقليمي، فضلًا عن توجيه رسالة داخلية للرأي العام المغربي بأن المملكة لا تزال تمتلك أدوات ضغط مؤثرة رغم فقدانها ورقة عبور الغاز.

واختتم التقرير بطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة خلال الفترة المقبلة.

ويتمثل السيناريو الأول في الاحتواء المرحلي عبر استئناف التنسيق الأمني والدبلوماسي بين الرباط ومدريد، بما يحافظ على التعاون في ملف الهجرة مع استمرار الشراكة الإسبانية الجزائرية في قطاع الطاقة.

أما السيناريو الثاني فهو التصعيد المحدود، حيث تستمر موجات العبور بصورة متقطعة باعتبارها وسيلة ضغط سياسية دون الوصول إلى قطيعة بين الأطراف، مع استمرار التنافس المغربي الجزائري على النفوذ الإقليمي.

في المقابل، أشار التقرير إلى أن السيناريو الثالث والأقل ترجيحًا يتمثل في تحول التوتر إلى أزمة أوسع نتيجة تداخل ملفات الهجرة والطاقة والصحراء الغربية، بما قد يؤدي إلى تصاعد الخلافات بين الرباط ومدريد والجزائر.

وأكد التقرير في ختامه أن التطورات الراهنة تعكس تداخلًا بين الاعتبارات الاجتماعية والسياسية، مشددًا على أن الهجرة غير النظامية ستظل ورقة مؤثرة في العلاقات الإقليمية، بينما سيبقى استقرار العلاقة بين المغرب وإسبانيا والجزائر مرهونًا بقدرة الأطراف الثلاثة على الفصل بين ملفات الطاقة والهجرة وقضية الصحراء الغربية، ومنع تحولها إلى أزمة مفتوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى