مقالات

عُمر المدينة

بقلم / داليا السبع
شاعرة وكاتية

في آخر يوم من عمر المدينة، ظهرت سمكة في السماء.
لم يندهش أحد في البداية.

الإسكندرية تعوّدت على الأشياء التي تأتي متأخرة: المطر، العشاق، النجاة.

لكن السمكة كانت ضخمة، شفافة، تتحرك فوق العمارات ببطء كأن البحر تعب من حملها فرفعها إلى الهواء ليستريح قليلًا.
كانت ترى من خلالها الغرف.

امرأة تنشر الغسيل.
رجل يخبئ خطابًا في درج المطبخ.
طفل ينام واضعًا حذاءه تحت الوسادة كأنه مستعد للهرب حتى في الحلم.

وفي شارع جانبي قرب محطة الرمل، كانت “ليلى” تبيع الساعات القديمة دون أن تملك ساعة واحدة تعمل.
كل الساعات عندها متوقفة عند أوقات مختلفة، كأن الزمن مات أكثر من مرة ولم يتفقوا على موعد دفنه.
حين مرّت السمكة فوق المحل، بدأت الساعات تدق فجأة.
ليس بصوت واحد.
كل ساعة كانت تدق ذكرى.

واحدة أخرجت ضحكة أمها من المطبخ.
وأخرى أعادت رائحة معطف رجل لم تحبه كفاية إلا بعد رحيله.
وساعة صغيرة صدئة جعلتها تسمع نفسها طفلة تقول:
“لما أكبر، مش هسيب حاجة تضيع مني.”
فبكت فورًا.
ليس لأن الذكرى مؤلمة، بل لأن الطفلة كذبت عليها ثم اختفت داخل امرأة تشبه التعب.

في تلك الليلة، المدينة كلها لم تنم.
الناس خرجوا للشرفات يراقبون السمكة المعلقة فوقهم مثل فكرة مستحيلة.

البحر كان هادئًا بشكل مخيف، كأنه ينتظر اعتذارًا.

وعند الفجر، بدأت السمكة تسقط.
ببطء شديد.
كأن السماء تسلم البحر قلبه المفقود.

الناس جرت.
صرخوا.
بعضهم صلّى.
بعضهم صوّر بهواتف مرتعشة، لأن البشر حين يخافون يحاولون تحويل الرعب إلى ذكرى يمكن مشاركتها.

لكن ليلى وحدها لم تهرب.
وقفت في منتصف الشارع تنظر إليها.
ثم فهمت فجأة.
السمكة لم تكن تسقط.
المدينة هي التي كانت تغرق.
المباني بدأت تميل كأشجار عجوزة.
الإشارات غرقت حتى نصفها.
الأبواب صارت تفتح على ماء لا على غرف.
الناس يسبحون داخل شققهم.
صور الأعراس تطفو قرب الأسقف.
والقطط، تلك الكائنات التي تعرف أكثر مما تقول، اختفت أولًا.

أما السمكة، فاقتربت من ليلى حتى صارت تملأ السماء كلها.
ورأت داخل عينها شيئًا مرعبًا:
كل الذين فقدتهم كانوا أحياء هناك.
ليس كما كانوا فعلًا، بل كما تمنتهم دائمًا.
أبوها بلا غضب.
أمها بلا مرض.
وحبيبها القديم ينظر إليها للمرة الأولى دون استعجال، كأن الحب أخيرًا وجد وقتًا كافيًا ليحدث.

مدّت يدها نحو السمكة.
فانفتح الماء.
ليس حولها فقط، بل داخلها أيضًا.

كل الحزن الذي خبأته سنوات خرج دفعة واحدة، كأن روحها كانت غرفة مغلقة وغمرها البحر أخيرًا.

سمعت صوتًا يشبهها يقول:
“الأشياء لا تضيع… نحن فقط نعجز عن الوصول إلى النسخة التي بقيت منها.”

ثم ابتلعتها السمكة.
واختفت.
في الصباح، استيقظت المدينة جافة تمامًا.
لا ماء.
لا سمكة.
لا أثر لشيء.
فقط محل صغير مغلق إلى الأبد.

وعلى الزجاج المترب، كتبت يد مجهولة جملة قصيرة:
“بعض الناس لا يموتون…
هم فقط يعودون إلى البحر الذي صنعهم.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى