قراءة في سيناريوهات 2030 للحياة الحزبية المصرية

بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري
نحو 2030، وإعادة تشكيل المجال الحزبي في مصر فيما بين ضرورات البقاء وفرص التحول، لم تعد المسألة مجردة او محصورة في تطوير الحياة الحزبية لكونها ترفا سياسيا أو مطلبا نخبويا محدود التأثير، بل أصبحت ضرورة بنيوية تفرضها تحولات الداخل وضغوط الإقليم واستحقاقات الدولة الحديثة والجمهورية الجديدة الحقيقية، وإذا كانت السنوات الماضية قد كشفت بوضوح عن اختلالات هيكلية في بنية العمل الحزبي، فإن الأفق الزمني حتى عام 2030 يفتح المجال لقراءة أكثر عمقا لسيناريوهات محتملة، تتراوح بين الجمود الممتد، وإعادة الهيكلة الجزئية، وصولا إلى إعادة تأسيس المجال الحزبي على قواعد جديدة أكثر كفاءة وفاعلية.
الحياة الحزبية المصرية، رغم تعددها العددي الذي يتجاوز المئة حزب، تعاني من فجوة واضحة بين الوجود القانوني والتأثير السياسي الفعلي، فتشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما يقرب من 80% من هذه الأحزاب لا تمتلك حضورا تنظيميا حقيقيا في الشارع، بينما يتركز النشاط الفعلي في نطاق محدود من الكيانات التي تمتلك القدرة على الحركة والتواصل والتأثير، و هذه المفارقة بين الكم والكيف تطرح سؤالا جوهريا حول جدوى الشكل الحالي، ومدى قدرته على مواكبة متطلبات مرحلة تتسم بتعقيد اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
لدينا السيناريو الأول، وهو سيناريو الاستمرارية الممتدة، يقوم على بقاء الوضع الراهن مع بعض التحسينات الشكلية، في هذا السيناريو، تستمر الأحزاب في أداء أدوار محدودة، يغلب عليها الطابع النخبوي والإعلامي، مع ضعف واضح في الامتداد الجماهيري، وقد تشهد الساحة بعض الاندماجات الشكلية أو التحالفات المؤقتة، لكنها تظل غير قادرة على إنتاج كيانات سياسية كبيرة ذات ثقل حقيقي، و هذا السيناريو، رغم أنه الأكثر أمانا على المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر تراكمية، أبرزها تآكل الثقة المجتمعية في جدوى العمل الحزبي، واتساع الفجوة بين المواطن والنخبة السياسية.
أما السيناريو الثاني، وهو سيناريو إعادة الهيكلة الجزئية، فيفترض وجود إرادة سياسية وتنظيمية لإعادة ترتيب المشهد دون هدمه بالكامل، وفي هذا الإطار، قد نشهد تشجيعا حقيقيا لعمليات الدمج بين الأحزاب ذات التوجهات المتقاربة، بما يؤدي إلى تقليص العدد الإجمالي مقابل تعزيز الكفاءة، كما قد يتم تطوير الأطر التشريعية المنظمة للعمل الحزبي، بما يتيح مرونة أكبر في التمويل، ويشجع على بناء قواعد جماهيرية حقيقية، وفي هذا السيناريو، تتحول الأحزاب من كيانات رمزية إلى مؤسسات وسيطة فاعلة، قادرة على التعبير عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وإن ظل هذا التحول محكوما بسقف تدريجي محسوب.
ثم السيناريو الثالث، وهو الأكثر طموحا وتعقيدا، يتمثل في إعادة تأسيس المجال الحزبي على أسس جديدة.
هذا السيناريو لا يقتصر على إصلاح القوانين أو دمج الكيانات، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف دور الحزب ذاته في الدولة والمجتمع. و هنا تصبح الأحزاب منصات لإنتاج السياسات العامة، وليس مجرد أدوات انتخابية أو منابر خطابية، و يتم الاستثمار في الكوادر، وتطوير مراكز التفكير الحزبية، وربط العمل السياسي بالاقتصاد الحقيقي من خلال شراكات مع مجتمع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، في هذا السياق، يمكن أن تظهر كيانات حزبية كبرى قادرة على المنافسة الحقيقية، وتمتلك برامج اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ، مدعومة ببيانات ودراسات دقيقة.
(لكن) التحول نحو أي من هذه السيناريوهات يرتبط بعدة متغيرات حاكمة، أولها البيئة التشريعية، حيث تلعب القوانين المنظمة للعمل الحزبي والانتخابي دورا محوريا في تحديد قواعد اللعبة، وثانيها الإرادة السياسية، التي يمكنها أن تفتح المجال أو تقيده، تدفع نحو التعددية الفاعلة أو تكتفي بالتعددية الشكلية، وثالثها العامل الاقتصادي، حيث أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة تفرض على الأحزاب أن تقدم حلولا واقعية، لا مجرد شعارات، ورابعها التحول المجتمعي، خاصة مع صعود جيل جديد أكثر اتصالا بالعالم، وأقل تقبلا للخطاب التقليدي.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال تأثير التحولات الإقليمية والدولية، فالدول التي نجحت في بناء نظم حزبية مستقرة لم تفعل ذلك في فراغ، بل في سياق توازنات داخلية وخارجية معقدة.
مصر، بحكم موقعها ودورها، مطالبة ببناء نموذج حزبي يعكس خصوصيتها، دون أن ينفصل عن المعايير الحديثة في الحكم الرشيد والمشاركة السياسية.
الأرقام والمؤشرات المتاحة، رغم محدوديتها، تعكس الحاجة الملحة للتطوير، نسب المشاركة الحزبية لا تزال منخفضة مقارنة بعدد السكان، ونسب الانخراط الشبابي في الأحزاب لا تعكس الوزن الديمغرافي الحقيقي لهذه الفئة التي تمثل أكثر من 60% من المجتمع، كما أن مساهمة الأحزاب في صياغة السياسات العامة لا تزال دون المستوى المطلوب، حيث يغلب على الأداء الطابع التفاعلي لا المبادِر.
وفي تقديري، أن الوصول إلى سيناريو إيجابي بحلول 2030 يتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة، تبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة الحزب كمدرسة لإعداد القيادات، وليس مجرد لافتة سياسية، كما يتطلب تطوير آليات التمويل بشفافية، وربطها بالأداء والانتشار الحقيقي، كذلك من الضروري تعزيز ثقافة التحالفات السياسية القائمة على البرامج لا المصالح المؤقتة، بما يتيح تشكيل كتل سياسية قادرة على العمل المشترك داخل البرلمان وخارجه.
الأهم من ذلك كله هو إعادة بناء الثقة، الثقة بين المواطن والحزب، بين الحزب والدولة، وبين الأحزاب وبعضها البعض، و بدون هذه الثقة، ستظل أي إصلاحات شكلية محدودة الأثر، وهذه الثقة لا تُمنح، بل تُكتسب عبر أداء جاد، وخطاب صادق، وقدرة حقيقية على ملامسة قضايا الناس.
(بالفعل ولا اشك في ذلك) نحن أمام لحظة فارقة، ليس فقط في تاريخ الأحزاب، بل في مسار الدولة المصرية ككل، 2030 ليست مجرد رقم زمني، بل محطة اختبار لقدرتنا على التحول من التعددية العددية إلى التعددية الفاعلة، ومن السياسة كخطاب إلى السياسة كفعل، إما أن ننجح في بناء حياة حزبية تعكس طموحات المجتمع وتدعم استقرار الدولة، أو نظل ندور في دائرة مفرغة من إعادة إنتاج نفس الاختلالات بأشكال مختلفة.


