المرأة في الأحزاب المصرية: شكل أم مضمون؟!

المرأة في الأحزاب المصرية: شكل أم مضمون؟!
بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري
في لحظة تبدو فيها الحياة السياسية المصرية وكأنها تعيد تعريف ذاتها تحت ضغط تحولات داخلية متسارعة وبيئة إقليمية شديدة السيولة، يبرز سؤال المرأة المصرية داخل الأحزاب المصرية، الآن وسابقاً ومستقبلاً، بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحا وتعقيدا، ليس فقط من زاوية العدالة التمثيلية والسياسية، وإنما من زاوية الكفاءة السياسية وقدرة النظام الحزبي على إنتاج نخب حقيقية تعكس المجتمع بكل تنوعاته،
القضية لم تعد، هل تم تمثيل المرأة؟ بل، أي حجم لهذا التمثيل وتأثيره، وما وزنه في معادلة القرار؟
المشهد الحزبي المصري، إذا ما تم تفكيكه بعمق تحليلي، يكشف عن مفارقة مركبة؛ فمن ناحية، هناك حضور عددي متزايد للمرأة داخل الكيانات الحزبية، مدفوعا جزئيا بالنصوص الدستورية والتشريعية التي عززت من نسب تمثيلها في المجالس النيابية، حيث اقتربت نسبتها في مجلس النواب من 27%، وهي قفزة نوعية إذا ما قورنت بتاريخ طويل لم تتجاوز فيه هذه النسبة في أفضل الأحوال 2 إلى 3% قبل عقدين فقط، كما شهدت المجالس المحلية، في ضوء قانونها الحالي، توجها لرفع نسب تمثيل المرأة إلى ما يقارب الربع، وهو ما يعكس إرادة تشريعية واضحة لتوسيع المشاركة.
لكن، وعلى الضفة الأخرى، فإن هذا التقدم الكمي لا يجد ترجمته الكاملة داخل الهياكل الحزبية، حيث تظل دوائر القرار الحقيقي أقل انفتاحا على مشاركة المرأة، وهنا تتجلى الإشكالية الجوهرية، الفجوة بين التمثيل العددي والتأثير النوعي.
الإشكالية لا تتعلق بالأرقام بقدر ما تتعلق بطبيعة توزيع الأدوار داخل الحزب، فغالبا ما يتم توجيه النساء إلى مساحات آمنة تنظيميا مثل اللجان الاجتماعية، أو العمل الجماهيري، أو الأنشطة الخدمية، بينما تظل الدوائر الأكثر تأثيرا، كالمكاتب السياسية، واللجان الاقتصادية، وغرف صناعة القرار الاستراتيجي، والإتصال السياسي والعلاقات الخارجية والتعاون الدولي، ذات تمثيل نسائي محدود، هذا النمط يعكس بنية ذهنية تقليدية لم تتغير بالقدر الكافي، حتى وإن تغيرت لغة الخطاب.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين مفهومين كثيرا ما يتم الخلط بينهما، الإدماج والتمكين،
الإدماج قد يعني وجود المرأة داخل الإطار التنظيمي، أما التمكين فيعني امتلاكها أدوات التأثير، والقدرة على المبادرة، والمشاركة الفعلية في صياغة السياسات، كثير من الأحزاب، للأسف، تقف عند حدود الإدماج، وتتعامل مع تمثيل المرأة باعتباره استحقاقا شكليا أو استجابة لضغوط الصورة العامة، لا باعتباره استثمارا في رأس مال سياسي حقيقي.
ولا يمكن فصل هذه الإشكالية عن طبيعة البنية الحزبية ذاتها، فالأحزاب التي تعاني من ضعف مؤسسي، وغياب آليات ديمقراطية داخلية، وارتباك في مسارات تصعيد القيادات، لا يمكنها بطبيعتها أن تنتج تمكينا حقيقيا لأي فئة.
في بيئة يغلب عليها الطابع المجاملاتي والشخصي في اتخاذ القرار، تصبح فرص الصعود مرتبطة بعلاقات النفوذ أكثر من ارتباطها بالكفاءة، وهو ما يخلق سقفا زجاجيا غير مرئي أمام العديد من الكفاءات النسائية.
الأرقام الدولية تعزز هذا التحليل ولا تناقضه، فحتى عام 2026، لا تتجاوز نسبة النساء في البرلمانات حول العالم 27.5%، رغم مرور عقود على تبني سياسات داعمة للمساواة، كما لا تتجاوز نسبة النساء في المناصب الوزارية عالميا 22.4%، وغالبا ما تتركز في وزارات ذات طابع اجتماعي، بينما تظل الحقائب السيادية والاقتصادية حكرا نسبيا على الرجال، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تنخفض هذه النسبة إلى نحو 18.5% فقط، ما يعكس تحديات هيكلية وثقافية متجذرة.
وفي المقابل، تقدم تجارب دول مثل رواندا، التي تجاوزت فيها نسبة تمثيل المرأة 60% في البرلمان، أو دول أمريكا اللاتينية التي تقترب من نسب التكافؤ، دليلا على أن الإرادة المؤسسية، مدعومة بنظم انتخابية واضحة مثل الكوتا، قادرة على إحداث تحول رقمي سريع، لكن حتى في هذه الحالات، يظل النقاش قائما حول عمق التأثير، وهو ما يؤكد أن الأرقام وحدها لا تكفي.
في الحالة المصرية، تشير قراءات ميدانية غير رسمية داخل عدد من الأحزاب إلى أن نسبة مشاركة المرأة في العضوية قد تقترب من 20 إلى 30% في بعض الكيانات، لكنها تنخفض بشكل حاد كلما اقتربنا من المكاتب السياسية أو دوائر اتخاذ القرار، لتتراجع أحيانا إلى أقل من 10%، هذه الفجوة تعكس بوضوح ظاهرة التسرب القيادي، حيث تتآكل فرص الصعود كلما ارتفعنا في الهرم التنظيمي.
الأبعاد الثقافية والاجتماعية لا تزال حاضرة بقوة، وإن بشكل غير مباشر، فبعض التصورات التقليدية حول أدوار المرأة لا تزال تؤثر على فرص ترشحها، وعلى تقييم أدائها، بل وعلى ثقة بعض الهياكل التنظيمية في قدرتها على إدارة الملفات الثقيلة، وهو ما يفرض على المرأة عبئا إضافيا لإثبات الكفاءة، في بيئة لا تمنح نفس هامش الخطأ الذي قد يُمنح لغيرها.
ورغم ذلك، فإن المشهد لا يخلو من نماذج لافتة لقيادات نسائية استطاعت أن تتجاوز هذه القيود، وأن تنتقل من موقع التمثيل إلى موقع الفعل، مستفيدة من تراكم خبرات مهنية وسياسية، ومن قدرة على إدارة ملفات معقدة بكفاءة عالية، هذه النماذج، وإن كانت لا تزال أقل من المأمول، إلا أنها تقدم دليلا عمليا على أن المشكلة ليست في نقص الكفاءة، بل في ضيق المساحة المتاحة لها.
ومن زاوية أكثر عمقا، فإن تمكين المرأة داخل الأحزاب لم يعد ترفا سياسيا أو قضية دعائية، بل ضرورة استراتيجية، فالدراسات المقارنة تشير إلى أن الأنظمة السياسية التي تحقق تمثيلا متوازنا للمرأة تميل إلى إنتاج سياسات أكثر استدامة، وإلى إعطاء أولوية أكبر لملفات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، كما تسجل مستويات أعلى من الثقة المجتمعية في المؤسسات، في المقابل، فإن إقصاء المرأة أو تهميشها يمثل هدرا مباشرا لنحو نصف رأس المال البشري.
الأخطر أن استمرار الوتيرة الحالية عالميا يعني أن الوصول إلى تكافؤ حقيقي في التمثيل السياسي قد يمتد إلى ما بعد عام 2060، وهو ما يضعنا أمام تحد زمني طويل لا يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية أو المعالجات الشكلية.
الحل، في تقديري، لا يبدأ من النصوص فقط، بل من داخل الأحزاب ذاتها، من إعادة هندسة قواعد اللعبة الداخلية، وتبني آليات شفافة لتصعيد القيادات، ووضع معايير موضوعية تقوم على الكفاءة والخبرة.
كما يتطلب الأمر الاستثمار الحقيقي في إعداد كوادر نسائية قادرة على إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، وليس الاكتفاء بحصرها في أدوار تنظيمية أو خدمية.
كما أن تطوير اللوائح الداخلية للأحزاب ليشمل نسبا ملزمة لتمثيل المرأة داخل المكاتب السياسية والهيئات العليا، وليس فقط في القوائم الانتخابية، يمكن أن يمثل خطوة فارقة في نقل المرأة من هامش التنظيم إلى قلب القرار.
بالتوازي مع ذلك، يصبح من الضروري خلق مسارات تدريب وتأهيل مستدامة، تضمن استمرارية تدفق الكفاءات النسائية إلى مواقع القيادة.
في النهاية، يبقى الفارق حاسما بين حزب يستخدم المرأة كواجهة، وآخر يراها شريكا كاملا في صناعة مستقبله، الفارق بين من يتعامل مع السياسة كصورة، ومن يديرها كعملية معقدة تتطلب كل طاقات المجتمع دون استثناء.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح: هل نريد أحزابا تملأ الفراغ، أم أحزابا تصنع القرار والتأثير؟



