الأمم المتحدة: الوضع في لبنان يثير القلق العميق ويجب إتاحة المجال للجهود الدبلوماسية

الجسر – خاص
حذرت مسؤولة أممية من أن الوضع في لبنان يثير قلقا عميقا، مشيرة إلى توغل القوات البرية الإسرائيلية بشكل أعمق شمالا داخل الأراضي اللبنانية، وهجمات مكثفة لحزب الله تصل إلى عمق أكبر داخل إسرائيل.
وفي إحاطتها أمام اجتماع لمجلس الأمن بشأن الوضع في لبنان، قالت مارثا بوبي، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة في إدارتي عمليات السلام والشؤون السياسية، إن التصاعد في الأعمال العدائية منذ 2 مارس 2026 تسبب في “حصيلة بشرية مدمرة”.
وأفادت بأنه وفقا لوزارة الصحة العامة اللبنانية، قُتل ما لا يقل عن 3412 شخصا وأُصيب أكثر من 10 آلاف آخرين في لبنان. وأضافت أن أربعة مدنيين إسرائيليين قتلوا. وأشارت كذلك إلى ما خلفته الأعمال العدائية من دمار وتشريد طال المجتمعات المحلية على جانبي الخط الأزرق.
وحذرت بوبي من أن “هذه التطورات تمثل تصعيدا خطيرا ومثيرا للقلق، إذ تقوض بشكل مباشر تفاهم وقف الأعمال العدائية الذي أعلنته الولايات المتحدة في 16أبريل الماضي، وتعمل على تآكل الجهود الدبلوماسية الهشة الرامية إلى خفض التصعيد”.
وأضافت أن تلك التطورات تلقي بظلال ثقيلة أيضا على المحاولات الجارية لتسهيل إجراء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، “وتهدد بعرقلة المسار الهش أصلا نحو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار”.
وشددت على أنه يجب إتاحة المجال الكافي للجهود الدبلوماسية لكي تكلل بالنجاح، مضيفة أن “لا يمكن تحمل المزيد من التصعيد. لقد عانى سكان إسرائيل ولبنان بالفعل بشكل هائل، ويجب اتخاذ خطوات فورية للتخفيف من وطأة تلك المعاناة”.
وشددت المسؤولة الأممية على أن الوجود الإسرائيلي شمال الخط الأزرق يعد انتهاكا صارخا لسيادة لبنان وسلامة أراضيه، فضلا عن كونه انتهاكا لقرار مجلس الأمن رقم 1701.
وأضافت أنه يجب على حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة في لبنان نزع سلاحهم والتعاون مع الجهود الحكومية الرامية إلى بسط سلطة الدولة وتأكيد احتكارها لاستخدام القوة.
وقالت بوبي: “القوات المسلحة اللبنانية هي القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في لبنان. نجدد التأكيد على الحاجة الماسة لزيادة الدعم الدولي للقوات المسلحة اللبنانية وغيرها من المؤسسات الأمنية التابعة للدولة، لتمكينها من ممارسة سلطتها ومسؤوليتها بشكل كامل لضمان الأمن والاستقرار في أرجاء الأراضي اللبنانية كافة”.
ونبهت أيضا إلى أن الاحتياجات الإنسانية في لبنان تشهد ارتفاعا حادا، حيث يؤدي التدمير المستمر للمنازل والخدمات الأساسية والبنية التحتية المدنية إلى تفاقم وضع هو بحد ذاته مترد للغاية.
ودعت بوبي جميع الأطراف الفاعلة إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والكف عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تهدد بنسف الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل دائم.
ودعت دول المنطقة التي تربطها علاقات بحزب الله إلى حثه على التعاون مع جهود الدولة اللبنانية الرامية إلى بسط سيطرتها الحصرية على السلاح.
ودعت المسؤولة الأممية إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي اللبنانية، والاحترام الكامل لسيادة لبنان وسلامة أراضيه.
وشددت كذلك على ضرورة حماية المدنيين وعدم استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مواقع التراث الثقافي.
وقالت: “يجب عدم استهداف موظفي الأمم المتحدة، كما يتعين أن تظل مقرات الأمم المتحدة مصونة الحرمة”.
في ذات السياق قال سفير فرنسا ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون، إن بلاده طلبت عقد هذا الاجتماع الطارئ ردا على “التصعيد الخطير الجاري حاليا” و”التوسع الكبير للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان”، على الرغم من وقف إطلاق النار برعاية الولايات المتحدة.
وقال إن “حزب الله، المدعوم من إيران، يتحمل مسؤولية إشعال فتيل الصراع، كونه جرّ لبنان والشعب اللبناني” إلى الحرب. كما أدان استمرار الهجمات على إسرائيل.
ولكن مع ذلك، قال بونافون “لا يوجد ما يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ونطاقها”، وما نتج عنها من سقوط ضحايا مدنيين، ونزوح، وما وصفه بتعميق احتلال الأراضي اللبنانية.
ووصف بونافون تصرفات إسرائيل بأنها “خطأ استراتيجي فادح”، قائلا إنها تنتهك الالتزامات التي تم التعهد بها بموجب وقف إطلاق النار في أبريل وقرارات مجلس الأمن الدولي.
وفي إشارة إلى رفع إسرائيل علمها مؤخرا فوق قلعة الشقيف، حذر السفير الفرنسي من أن إسرائيل “تعود إلى حقبة اعتقد كثيرون أنها ولّت”.
وأكد بونافون أن قصف القرى وسقوط ضحايا مدنيين سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقوية حزب الله وإضعاف الحكومة اللبنانية، التي قال إن بلاده تدعمها في جهودها لترسيخ سلطة الدولة.
وقال: “الأمن الدائم لا يكمن في الحرب ولا في الاحتلال، بل في السلام مع الجيران وفي الاستقرار الإقليمي”.
وأعلن تأييده القوي للمحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل، والمقرر استئنافها يومي 2 و3 يونيو الجاري بوساطة أمريكية. ووصف المحادثات بأنها “فرصة حاسمة”، وأعرب عن أمله في أن تُفضي إلى تسوية سياسية دائمة، تشمل نزع سلاح حزب الله، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وضمانات لسيادة لبنان ووحدة أراضيه.
أنا فاسيلي نيبينزيا، المندوب الدائم للاتحاد الروسي لدى الأمم المتحدة قال إن وقف إطلاق النار “الذي تم التوصل إليه يوم 17 أبريل بين القدس الغربية وبيروت بتيسير من واشنطن، كان للأسف ستارا من الدخان لعدوان زاحف ضد لبنان. وبينما كان العالم بانتظار الجولة الثانية من المفاوضات المقررة اليوم الثاني من يونيو الجاري، في العاصمة الأمريكية واصلت إسرائيل توسيع نطاق احتلالها بشكل ممنهج”.
وأضاف أن الشواهد تؤكد أن لبنان يشهد تكرار سيناريو شبه متطابق مع ما حدث في غزة، بفرض سيطرة واسعة للاحتلال والنزوح القسري للسكان.
وأدان نيبينزيا بقوة “الأعمال العدوانية الإسرائيلية”، وجدد تأكيد التزام بلاده الثابت تجاه سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه.
وطالب بالانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من الأرض اللبنانية، وقال: “بدون ذلك سيكون من المستحيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار”.
وأضاف أن التاريخ يظهر أن المكاسب العسكرية وتوسيع الاحتلال لا يحلان المشاكل الأمنية التي يواجهها شمال إسرائيل، “بل على العكس، يقوض ذلك موقف الحكومة اللبنانية التي لا يوجد شك في أنها تهدف إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية”.
وقال إن تدهور الوضع في لبنان هو نتيجة مباشرة “للعدوان غير المبرر” من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وقال المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفير مايك والتز، إنه “من الواضح أن حزب الله لا يرى في لبنان سوى منصة انطلاق لهجماته المستلهمة من إيران ضد إسرائيل”. وأضاف أن حزب الله “لا يكترث بلبنان، لا كبلد، ولا بمستقبل شعبه”.
وقال والتز عن حزب الله: “إنها جماعة إرهابية هاجمت أمريكيين، وقتلت جنود حفظ سلام تابعين لقوة اليونيفيل، واحتجزت مدنيين كرهائن لعقود من الزمن، واغتالت أبناء شعبها الشجعان الذين تدعي أنها تحميهم”.
وأشار إلى أن القضية المطروحة هي أن لبنان قد جُرَّ مرة أخرى إلى الحرب على يد “منظمة إرهابية، وهو ما كلف المدنيين اللبنانيين الأبرياء ثمنا باهظا”.
وأضاف: “الحكومة اللبنانية الشرعية تبدي شجاعة وروح قيادة حقيقية، فهي تسعى أخيرا إلى تحرير بلادها من قبضة منظمة إرهابية تدين بالولاء لطهران، ولا تكترث لمعاناة شعبها”، مؤكدا أن بلاده تدعم جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى استعادة لبنان لعظمته.
وذكَّر بأن قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أتاحت إجراء أول محادثات تاريخية مباشرة بين حكومتي إسرائيل ولبنان.
وقال والتز إن المسار واضح وهو أن يتوقف حزب الله عن مهاجمة إسرائيل، وتفرض القوات المسلحة اللبنانية والحكومة الشرعية سيطرتها على الأراضي اللبنانية، وتكف إيران عن استخدام لبنان كقاعدة عمليات متقدمة لها، مضيفا: “حينها، سيحظى الشعب اللبناني – الذي عانى طويلا جدا – بفرصة أخيرة لإعادة بناء وطن يخصه هو وحده”.
ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير أحمد عرفة، قال إن إسرائيل – “وبرغم جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى احتواء الأزمة – قامت بتصعيد عسكري خطير أودى، حتى اليوم، بآلاف الأرواح”.
واتهم إسرائيل بالاستمرار في “عملية تدمير ممنهج للقرى والبلدات والأحياء السكنية، واستهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والإعلاميين والمدارس والبنى التحتية والأجهزة الأمنية وقوات اليونيفيل ودور العبادة والمواقع الأثرية المصنفة كتراث عالمي للإنسانية، وغيره الكثير ممن يختزن ذاكرة لبنان وهويته الحضارية”.
وقال السفير اللبناني إن بلاده تدين، بأشد العبارات وبشكل واضح لا لبس فيه، هذه الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية التي قال إنها تتعارض مع أحكام الميثاق والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني “وبما يرقى إلى جرائم في أحوال كثيرة”.
وأضاف أن استحداث إسرائيل مناطق أمنية ورسم خطوط جغرافية هو احتلال مباشر وانتهاك صارخ لسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه. ودعا مجلس الأمن إلى إدانة هذه الاعتداءات والقيام بما عليه من واجبات، بموجب الميثاق، لوضع حد لها.
وتابع قائلا: “لم تعد نوايا الحكومة الإسرائيلية خفية على أحد، وهي ترد في تصريحات مسؤوليها ودعواتهم بضرورة توسعة طرقات الاعتداءات واحتلال أجزاء أوسع من لبنان. وهذا لا شك نتيجة للعجز الجماعي عن إنتاج الحلول وغياب المساءلة والمحاسبة اللذين يغذيان ثقافة الإفلات من العقاب”.
وأشاد السفير عرفة بمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإدارة الأمريكية على “الجهود البناءة والهادفة إلى إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة بما فيها الجهود التي يبذلها الرئيس ترامب شخصيا اليوم بهدف خفض التصعيد”.
وقال المندوب الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، إن “إسرائيل لم تستيقظ ذات صباح لتقرر دخول لبنان لمجرد رغبتها في ذلك. فنحن لا نسعى إلى التصعيد، ولا نطمع في الأراضي اللبنانية، كما أن إسرائيل لا تريد الدخول في صراع مع الشعب اللبناني. المشكلة هي حزب الله”.
وأضاف أن حزب الله ينفذ على أرض الواقع ما تريده منه إيران، حيث “يبقي جذوة الصراع مشتعلة. ويبقي لبنان رهينة في قبضته، ويبقي شمال إسرائيل تحت وطأة الهجمات”.
وأفاد بأنه في عطلة نهاية الأسبوع الماضية، “اتسع نطاق التهديد ليشمل ما هو أبعد من البلدات المتاخمة للحدود”. وتحدث عن الطائرات المسيرة التي يستخدمها حزب الله، مشددا على أن بلاده ستواصل “تحييد الخطر قبل أن يطال شعبها”.
وقال السفير الإسرائيلي: “ما دام حزب الله يهدد مواطنينا، فإن إسرائيل ستتحرك حيثما اقتضت الضرورة للدفاع عنهم، سواء كان ذلك جنوب نهر الليطاني أو شماله. وإذا لم يسد الهدوء في شمال إسرائيل، فلن ينعم حزب الله بالهدوء”.
وأشار إلى أن إسرائيل ولبنان تخوضان محادثات مباشرة وتاريخية بوساطة أمريكية، “إيمانا منا بأن مستقبلا أفضل أمر ممكن. وتستمر تلك المحادثات رغم التحديات الراهنة، كما يظل التزامنا بها قائما”.
وقال داني دانون إن “الطريق إلى السلام ليس معقدا. نحن نعرفه جيدا، ونعرف ما يتطلبه الأمر: نزع سلاح حزب الله بالكامل، ووجود دولة لبنانية قوية، وقوات مسلحة لبنانية قوية، وحكومة واحدة، وجيش واحد، وسلطة سيادية واحدة”.



