مقالات

” أبواب مغلقة “

بقلم الدكتورة/ أحلام المطيري
أستاذ مساعد بقسم مجالات الخدمة الاجتماعية – جامعة أسيوط
ومدرب معتمد من المجلس الأعلى للجامعات

منذ رحيلك يا أمي,
ولم تعد الأشياء كما كانت،
صار الطريق أطول، والخطوة أثقل،
وصارت الأبواب التي كانت يوماً تفتح بابتسامة
تبدو لى مغلقة, غريبة تلك الحياة بعدك يا أمي،
فالأبواب لم تغلق حقاً،
والمفاتيح ما زالت في يدى،
والطرق ما زالت أمامنا،
والقدرة على العبور لم تنتزعها الأيام,

ولكن شيئاً في القلب قد انكسر,
نقف أمام الباب ونعرف أننا نستطيع فتحه،
نعرف أننا قادرون على العبور،
قادرون على الإنجاز،
قادرون على النجاح،
قادرون على أن نصل إلى ما تمنيناه يوماً,
ثم نتراجع, ليس عجزاً, ولكن اليد التي كانت تدفعنا إلى الأمام
لم تعد هنا.

منذ رحيلك يا أمي,
فقدت الأشياء مذاقها،
وصار النجاح بلا فرحة،
والإنجاز بلا نشوة،
والطموح بلا روح،
حتى الأمنيات صارت تخجل من الظهور,

كنت أظن أننا حين نفقد شيئاً عزيزاً
يبكينا ولكنه سرعان ما يمضى,
ولكنني منذ رحيلك اكتشفت
أن بعض الفقد لا يمر بنا،
بل يمرر الحياة من بين أيدينا,

أصبحنا نرى الأبواب مغلقة
وهي مفتوحة، نرى المسافات بعيدة
وهي أقرب مما نظن،
نرى أنفسنا عاجزين ونحن نملك من القوة
ما يكفي لعبور ألف طريق,
ولكن الفقد أعمى القلب عن الفرح
وأعمى الروح عن الأمل،
وأطفأ ذلك الصوت الجميل
الذي كان يقول لي: لا تخافي, ستصلين

أمي, منذ رحيلك وأنا أقف كثيراً أمام الأبواب،
لا لأنني لا أستطيع فتحها، بل لأنني لا أعرف
لمن سأحكى حين أعبرها,
لمن سأقول: نجحت؟
لمن سأركض حين أفرح؟
من سيبتسم لي بتلك الابتسامة التي كانت تجعل
أصعب الإنجازات سهلة؟
لذلك تبدو الأبواب مغلقة لا لأنها مغلقة،
بل لأن قلبي لم يعد يريد العبور,
لم يعد في داخلي ذلك الحماس,
ولا ذلك الطموح الذى كان يملاني،
ولا حتى ذلك الأمل الصغير
الذى كان يكفيني لأبدأ من جديد,

كل شىء ما زال ممكناً, إلا أن أستمتع به كما كنت,
وهكذا، أقف أمام أبواب الحياة أملك مفاتيحها كلها،
وأملك القدرة على فتحها، وأملك ما يكفى من القوة
لأصنع نجاحاً جديداً, لكنني أبحث بين كل هذه الأبواب
عن باب واحد فقط, باب يعيدني إلى أمي,
وحين لا أجده، أعود إلى مكاني،
وأترك أبواب الحياة مفتوحة,
وأمضى أنا كأنني أغلقتها خلفي,

غريب ذلك الحزن, لا يسلبنا قدرتنا،
لكنه يسلبنا الرغبة في استخدامها.

لا يأخذ منا أحلامنا، لكنه يطفئ الضوء الذى كان يجعلنا نراها,
لا يمنعنا من الوصول، لكنه يجعل الوصول بلا طعم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى