الثورة الصناعية الخامسة والرعاية الصحية كأحد مجالات الخدمة الاجتماعية
بقلم/ د. أحلام المطيري - أستاذ مجالات الخدمة الاجتماعية المساعد - جامعة أسيوط - مدرب معتمد من المجلس الأعلى للجامعات المصرية

شهدت البشرية على مر التاريخ إنجازات وتقدماً ملحوظاً، يتميز بتقدم مطرد نحو الإنجاز العلمي والابتكار التكنولوجي حيث بدأ الاستكشاف والاختراع والاستخدام المستمر للتكنولوجيا(مثل النار، وأدوات الصيد، والفؤوس اليدوية، إلخ) ومع تطور البشرية وتقدمها، ظل التقدم التكنولوجي قوة أساسية لرفاهية الإنسان، كما شهدنا منذ ما قبل الثورة الصناعية مروراً بمراحل الثورة الصناعية المختلفة، من الثورة الصناعية الأولى إلى الخامسة، فلقد بدأت الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، مع ظهور المحركات البخارية وتأثيرها الجذري على التصنيع، واستغلت الثورة الصناعية الثانية قوة الكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، مما أدى إلى الإنتاج الضخم والنقل السريع للأفراد والمنتجات والأفكار. وفي منتصف القرن العشرين الميلادي، دشنت الثورة الصناعية الثالثة العصر الرقمي؛ حيث ربطت الحواسيب المركزية والحواسيب الشخصية والإنترنت للمستهلكين عالمياً، ودعمت تخزين ونشر كميات هائلة من المعلومات وتتميز الثورة الصناعية الرابعة، والتي بدأت مع بداية القرن الحادي والعشرين، بـاتصال شامل بين الآلات والأجهزة والأفراد، مما ينتج عنه معلومات غير محدودة تقريباً تنتقل بسرعة الثورة الصناعية الرابعة، وأصبحت التكنولوجيا منتشرة في كل مكان، وكان وضع الثقة بالتكنولوجيا أمراً بالغ الأهمية، لأنه شجع على التجربة والاستخدام.
ومن غير الواضح تحديداً أين ومتى ظهر مصطلح الثورة الصناعية الخامسة. ومع استمرار دفع الحدود التكنولوجية في الثورة الصناعية الخامسة، سيصبح الاستخدام الأخلاقي والإنساني للتكنولوجيا ذا أهمية قصوى. قد تتطلب وجود العديد من التقنيات الناشئة حيث تهدف جميع هذه التطبيقات التكنولوجية إلى ضمان وتعزيز رفاهية الناس.
واليوم أصبح العالم ملئ بالتطورات والتغيرات الهائلة والسريعة التى لم يسبق لها مثيل في مختلف مجالات الحياة، قوامها الأساسي هو التقدم العلمي والمعرفي والتقني؛ حيث أصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للصغير والكبير خاصة في الآونة الأخيرة.
وتعد الثورة الصناعية الخامسة خطوة تحويلية لظهور مجتمع (5.0) والذى يعنى (توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان وتحسين جودة حياته) أو تطوره المشترك من خلال دراسة كيفية تأثير مجتمع(5.0) على جوانب مختلفة من المجتمع البشري مثل التقدم في الرعاية الصحية وتحسين متوسط العمر المتوقع؛ والأعمال والاقتصاد والنمو والصناعة؛ والتعليم والمهارات؛ والخصوصية والأمن السيبراني؛ والمدن الذكية؛ والعمل والقوى العاملة، وبالتالى فيجب على المجتمع أن يتقدم من خلال الالتزام بالتكامل المتناغم بين الإنسان والتكنولوجيا لمعالجة المشكلات الملحة التي تواجه العالم في المستقبل.
ومن أبرز تلك التطورات التكنولوجية ظهر على الساحة المهنية ما يسمى بالذكاء الاصطناعي حيث كثرت تطبيقاته التقنية في شتى مناحي مجالات الحياة ونجاح ذلك سيؤدي لتوفير الوقت والجهد والمال ومواكبة للتطورات التكنولوجية المتواصلة والتحول للعصر الرقمي وتقليل المخاطر المرتبطة بطبيعة المجال وتوفير الوقت والجهد والمال والمرونة في تقديم الخدمات.
ولقد نجحت تقنية الذكاء الاصطناعي في فرض نفسها وبقوة في جميع المجالات من أجل تبسيط المهام المتكررة والتنبؤ بالأنماط المعقدة، حتى تم دمجها بسلاسة في حياتنا اليومية. وهذا ما دعى إليه اجتماع “بكين” حيث أكد على النهج الإنساني في نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم؛ وذلك لزيادة الذكاء البشرى، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز التنمية المستدامة من خلال التعاون الفعال بين الإنسان والآلة في الحياة والتعلم والعمل(اليونسكو،2019). لذلك فالذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على شريحة مجتمعية معينة، بل أصبح في متناول الجميع، وقد تسلل فعلياً للعديد من مجالات حياتنا اليومية؛ حيث تولي الحكومات أهمية كبيرة لتعميم الذكاء الاصطناعي ودمجه في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ لأن الأدوات والخدمات والتطبيقات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي تتمتع بإمكانات وقدرات عالية لدعم كل الأفراد.
وعلى الرغم من عدم التقارب العلمي بين الذكاء الاصطناعي والخدمة الاجتماعية، إلا أنهما يشكلان حقلين مهمين من شأنها تضييق الفجوة بين التخصصين، وذلك من خلال توحيد المتخصصين في علوم الحاسوب وتقنياته، والمتخصصين في الخدمة الاجتماعية، ضمن نهج تعاوني منظم. لقد أثبتت بعض التجارب العملية أن الشبكات الرقمية قد أسهمت بشكل إيجابي وملحوظ في تطوير ممارسات الخدمة الاجتماعية، وهذا يؤكد على أن الموضوع يحتاج إلى فحص ومناقشة بشكل معمق.
وفي ضوء التطور التكنولوجي المتسارع، زاد الاهتمام بدمج الذكاء الاصطناعي في ممارسة الخدمة الاجتماعية، إذ أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي تحولاً مهماً يمكنه تقديم حلول مبتكرة وفعالة لتحديات المهنة، ويمكن أن يفتح أبواباً جديدة لتقديم الرعاية والدعم الشخصي والاجتماعي بطرق أكثر فاعلة وتكاملا، ومع ذلك كانت هناك أيضاً مخاوف متعددة تتعلق بالاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي، مثل احتمال التهديد للخصوصية وتأثيره على التواصل الإنساني، كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم خدمات إيجابية واسعة النطاق لمهنة الخدمة الاجتماعية، لكن لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الأخصائيين الاجتماعيين الممارسين.
وتستهدف الثورة الصناعية الخامسة تحقيق التعاون بين الإنسان والآلة من خلال إضافة اللمسة الإنسانية للعمل والصناعة والإنتاج، كما تستهدف تمكين البشر من قضاء المزيد من الوقت في التخطيط والمهام الاستراتيجية. وجعل الذكاء الاصطناعي يهدف إلى العمل مع البشر وليس استبدالهم على عكس الثورة الصناعية الرابعة التي ركزت على الآلة فقط. وتحقيق الاستفادة من إبداع الخبراء البشريين الذين يعملون جنباً إلى جنب مع آلات فعالة وذكية. وتخصيص مهام متكررة وموحدة للروبوتات والمهام التي تتطلب التفكير النقدي للبشر. عدم التجرد من الإنسانية مع مراعاة الدور الحاسم للإنسان في المجتمع واحتياجاته لكى يكون أقرب إلى التنمية المستدامة.
وتشكل الرعاية الصحية كأحد مجالات الخدمة الاجتماعية منظومة متكاملة من البرامج والخدمات والمشروعات الصحية التي تستهدف في الأساس تمكين الإنسان من الأداء الأفضل لأدواره الاجتماعية.
وفي الوقت الحالي يستخدم الأطباء نماذج تعلم الآلة (Machine Learning (ML) لمساعدتهم في تشخيص أمراض المرضى، وهذا يساعد في تحسين دقة التشخيص وبالتالي توفير الكثير من الوقت والمال على المريض. فالتكنولوجيا يمكن أن تتضمن المتطلبات الشخصية للمريض مثل مراقبة قياس ضغط الدم ومستويات السكر وما إلى ذلك، وتقديم علاج شخصي للمريض بمساعدة الطبيب في الوقت المناسب. كما يمكن أن تتيح الثورة الصناعية الخامسة هذا ممكناً، فالأجهزة الذكية القابلة للارتداء مثل الساعات الذكية وأجهزة الاستشعار الذكية وغيرها يمكنها مراقبة البيانات الصحية للمريض باستمرار في الوقت الفعلي ويمكن تخزين هذه البيانات في السحابة. ويمكن بعد ذلك استخدام خوارزميات ML لتشخيص الحالة الطبية للمريض. ويمكن لهذه الأجهزة الذكية التواصل مع بعضها وفي حالة الحاجة إلى إشعار الطبيب، كما يمكن لهذه الأجهزة أن تغذي الوضع الحالي للمريض وتنبيه الأطباء إلى حالة المريض من خلال الروبوتات. ويمكن للأطباء الحصول على مساعدة من الروبوتات التي يمكنها التواصل مع بعضها لإجراء الجراحة للمرضى .هذه بعض الأمثلة حول كيف يمكن للثورة الصناعية الخامسة إحداث ثورة في صناعة الرعاية الصحية. حيث تساعد هذه الثورة في تصنيع الأجهزة الشخصية والفيروسات، وما إلى ذلك. فمن خلال الثورة الصناعية الخامسة، فإن الوظائف الروتينية مثل الفحوصات الروتينية التي يقوم بها الأطباء يمكن أن تنفذ بواسطة الروبوتات. بهذه الطريقة يمكن للأطباء التركيز على مستوى أعلى من الوظائف. حتى العمليات الجراحية المعقدة يمكن إجراؤها بدقة بواسطة روبوتات مع مدخلات ثانوية من الأطباء.
وبما أن الخدمة الاجتماعية في المجال الصحي أو المجال الطبي تعد إحدى مجالات الخدمة الاجتماعية الثانوية أي يتعاون الأخصائي الاجتماعي مع الأطباء والتمريض جنباً إلى جنب من خلال ما يسمى بالفريق الطبي حيث يمثل الأخصائي الاجتماعي عضواً هاماً في الفريق فهناك مجموعة من المقترحات من منظور الخدمة الاجتماعية لتحسين جودة الرعاية التلطيفية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي في ضوء متطلبات الثورة الصناعية الخامسة:
1- تحسين التشخيص والتخطيط العلاجي: وذلك من خلال:
• الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الطبية: يمكن للذكاء الاصطناعي (AI) تحليل كميات ضخمة من البيانات الصحية (مثل السجلات الطبية الإلكترونية) لتقديم توصيات دقيقة بشأن علاج المرضى. يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد الأنماط التي قد يفوتها الأطباء البشر، مما يساهم في تقديم رعاية تلطيفية أكثر دقة.
• تخصيص العلاج: باستخدام تقنيات التعلم الآلي، يمكن للذكاء الاصطناعي تخصيص الخطط العلاجية بناءاً على الخصائص الفردية لكل مريض، مثل تاريخه الطبي، حالته النفسية والجسدية، ومتطلباته الشخصية.
2- دعم اتخاذ القرار وموائمة الرعاية مع احتياجات المرضى: وذلك من خلال:
• التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية: يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بالتغيرات المحتملة في حالة المريض (مثل تدهور الحالة أو تطور الأعراض) بناءاً على البيانات الصحية السابقة. يمكن أن يساعد ذلك مقدمي الرعاية في اتخاذ قرارات أفضل بشأن الرعاية المستقبلية.
• تحليل مشاعر المرضى: باستخدام تقنيات تحليل النصوص والصوت، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل مشاعر المرضى والمعلومات التي يعبرون عنها، مما يساعد الفرق الطبية على فهم احتياجاتهم النفسية والعاطفية بشكل أفضل.
3- التحسين المستمر للجودة من خلال المراقبة والتقييم: وذلك من خلال:
• المراقبة المستمرة للحالة الصحية: مكن للأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مراقبة الحالة الصحية للمرضى بشكل مستمر عن بعد، مثل مراقبة مستوى الأوكسجين في الدم أو ضغط الدم. هذه المراقبة تساعد الفرق الطبية في اتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.
• تحليل البيانات لتحسين الجودة: يمكن للذكاء الاصطناعي إجراء تحليلات معقدة لبيانات الرعاية الصحية على مستوى أكبر، مما يسهم في تحسين العمليات والبرامج التلطيفية استنادًا إلى الفعالية والكفاءة.
4- دور الخدمة الاجتماعية الطبية في استخدام الذكاء الاصطناعي: وذلك من خلال:
• دعم المرضى وأسرهم: يمكن لمتخصصي الخدمة الاجتماعية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل احتياجات المرضى الاجتماعية والنفسية، وتقديم الدعم الملائم. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد AI في التوجيه النفسي للمرضى وعائلاتهم من خلال تحليل بيانات التواصل والمشاعر.
• إدارة التحديات الأخلاقية والإنسانية: فالخدمة الاجتماعية الطبية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في ضمان الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، مثل التعامل مع قضايا الخصوصية والحقوق، وتوجيه المرضى وأسرهم فيما يتعلق بالقرارات الطبية الصعبة.
5- التفاعل والتواصل مع المرضى: وذلك من خلال:
• التفاعل الافتراضي والمساعدة الذكية: يمكن للذكاء الاصطناعي، من خلال المساعدات الذكية مثل الروبوتات والأنظمة التفاعلية، تقديم استشارات طبية أساسية للمرضى في المنزل، مما يسهم في تحسين نوعية الحياة والرعاية.
• تحسين الوصول إلى الرعاية: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين الوصول إلى الرعاية التلطيفية، خاصة في المناطق النائية أو للأشخاص الذين يعانون من صعوبة في التنقل. من خلال استخدام التكنولوجيا، يمكن تقديم استشارات عن بعد أو متابعة لحالة المرضى.
6- المشاركة الفعالة في الثورة الصناعية الخامسة: وذلك من خلال:
• تكامل الإنسان مع التكنولوجيا: في ظل الثورة الصناعية الخامسة، يشهد المجتمع تقدمًا نحو التكامل بين الإنسان والتكنولوجيا بشكل عميق. الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرات البشرية، بل يعززها. في مجال الرعاية التلطيفية، يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين الاتصال بين المرضى والطاقم الطبي والاجتماعي، ويعزز قدرة المتخصصين على تقديم رعاية إنسانية.
• الابتكار في تقنيات التواصل: تمثل تقنيات مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي مجالاً واعداً للتفاعل مع المرضى في بيئات افتراضية، ما يساعدهم على التكيف مع حالاتهم المرضية النفسية والجسدية.
لذا يجب أن يتم التعامل مع قضايا الخصوصية والأمان بشكل جاد، بالإضافة إلى ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي دون تفرقة أو تحيز. كما يجب على مقدمي الرعاية الطبية والاجتماعية أن يكونوا مدربين على استخدام هذه التقنيات بفعالية.
إذن فالثورة الصناعية الخامسة توفر فرصة لدمج الذكاء الاصطناعي في مجالات جديدة من الرعاية الصحية، مما يساعد في تحسين نوعية الحياة للمرضى، ويساهم في توفير دعم أكبر لأسرهم.
وبالتالي فيجب علينا استخدام الذكاء الاصطناعي، بشكل صحيح ومدروس حتى يمثل أداة قوية لتحسين الرعاية الصحية في السياق الطبي والاجتماعي، وتعزيز جودة حياة المرضى، مما يتماشى مع متطلبات الثورة الصناعية الخامسة.


