دراسة سعودية تقترح منصة وطنية متكاملة لسلامة الغذاء.. من الرقابة بعد وقوع الخطر إلى التنبؤ به قبل حدوثه
ورقة سياسات أعدها الباحث عبدالله عبدالفتاح محمد جابر تضع خريطة لتحديات سلامة الغذاء وتدعو إلى ربط الأنظمة والبيانات وتفعيل الإنذار المبكر

الجسر – خاص
في ظل اتساع السوق الغذائي في المملكة العربية السعودية، وتنوع مصادر الإمداد وتعقّد سلاسل إنتاج ونقل وتداول الغذاء، تبرز سلامة الغذاء باعتبارها قضية تتجاوز مجرد الرقابة على المنتجات والمنشآت، لتصبح جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الصحة العامة، واستقرار سلاسل الإمداد، وكفاءة النشاط الاقتصادي، وتعزيز ثقة المستهلك.
وفي هذا السياق، قدم مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية ورقة سياسات بعنوان «تعزيز سلامة الغذاء في السعودية: خيارات السياسة العامة نحو منظومة استباقية لإدارة المخاطر»، أعدها الباحث السعودي عبدالله عبدالفتاح محمد جابر، الباحث في مرحلة الدكتوراه بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، والمتخصص في جودة وسلامة الغذاء والحوكمة وإدارة المخاطر.
وتقدم الورقة قراءة تحليلية لمنظومة سلامة الغذاء في المملكة، لا تنطلق من افتراض غياب الأطر التنظيمية أو الرقابية، وإنما تركز على ما تعتبره فجوة أساسية في التكامل بين الجهات والأنظمة والبيانات، وما يترتب على ذلك من الحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من نموذج يركز على اكتشاف المخالفات والاستجابة لها بعد وقوعها، إلى نموذج أكثر استباقية يعتمد على البيانات وتحليل المخاطر والتنبؤ والإنذار المبكر.
سلامة الغذاء.. قضية تتجاوز التفتيش والرقابة
تؤكد الورقة أن سلامة الغذاء أصبحت من القضايا ذات الأولوية في السياسات العامة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بصحة المجتمع والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وتشير إلى أن المملكة عملت خلال السنوات الماضية على بناء وتطوير إطار مؤسسي وتنظيمي متقدم يشمل التشريعات والاشتراطات الفنية وبرامج التفتيش والرقابة، إلى جانب تطبيق نظم إدارة المخاطر وسلامة الغذاء والتوسع في استخدام التقنيات الرقمية.
غير أن اتساع القطاع الغذائي وتنوع المنتجات ومصادر الإمداد يفرضان تحديات جديدة، خاصة مع تعدد الجهات المعنية وتنوع مصادر البيانات واختلاف مستويات الامتثال بين المنشآت.
وترى الدراسة أن التعامل مع هذه التحديات لا ينبغي أن ينحصر في زيادة التفتيش أو إضافة أنظمة رقابية جديدة، وإنما في تحسين قدرة المنظومة على جمع البيانات وربطها وتحليلها وتحويلها إلى معلومات تساعد على اكتشاف الخطر قبل تحوله إلى حادث غذائي واسع النطاق.
أربع فجوات رئيسية في منظومة سلامة الغذاء
حددت الورقة أربعة محاور رئيسية تشكل جوهر التحدي أمام منظومة سلامة الغذاء في المملكة.
أول هذه المحاور هو تعدد مصادر المخاطر الغذائية، التي يمكن أن تكون بيولوجية أو كيميائية أو فيزيائية، وقد تظهر في أي مرحلة من مراحل السلسلة الغذائية، بداية من الإنتاج والتصنيع، مرورًا بالتخزين والنقل والتوزيع، وصولًا إلى التداول والاستهلاك.
أما المحور الثاني فيتمثل في تعدد الجهات والأطراف المعنية، حيث تتوزع المسؤوليات بين جهات حكومية وتنظيمية وصحية وبلدية وزراعية، بالإضافة إلى المنتجين والمصنعين والمستوردين والموزعين والمنشآت الغذائية والمستهلكين.
وتشير الورقة إلى أن هذا التعدد يجعل التنسيق وتبادل المعلومات وتوحيد مؤشرات المخاطر عوامل أساسية لرفع سرعة الاستجابة وتحسين عملية اتخاذ القرار.
ويتمثل المحور الثالث في تفاوت مستويات الامتثال بين المنشآت الغذائية، نتيجة اختلاف أحجامها وإمكاناتها الفنية والمالية وقدراتها على تطبيق أنظمة إدارة سلامة الغذاء.
أما المحور الرابع فيتعلق بـالحاجة إلى تعظيم الاستفادة من البيانات، خاصة أن المملكة تمتلك بالفعل بنية رقمية وأنظمة وخدمات إلكترونية متعددة ذات صلة بسلامة الغذاء، وهو ما يجعل التحدي الأساسي في رفع مستوى الربط بينها والاستفادة من البيانات المتاحة في تقييم المخاطر والإنذار المبكر وتوجيه الموارد الرقابية.
من يتحمل مسؤولية سلامة الغذاء؟
تضع الورقة خريطة واضحة لأبرز أصحاب المصلحة في منظومة سلامة الغذاء، مؤكدة أن كفاءة المنظومة لا يمكن أن تعتمد على جهة واحدة.
وتأتي الهيئة العامة للغذاء والدواء باعتبارها الجهة التنظيمية الرئيسة في مجال سلامة الغذاء، من خلال وضع المتطلبات واللوائح والمعايير والرقابة والتفتيش وتقييم وتحليل المخاطر الغذائية.
كما تضطلع وزارة البيئة والمياه والزراعة بأدوار مرتبطة بمراحل الإنتاج الأولي، خاصة الإنتاج الزراعي والحيواني، فيما تؤدي وزارة الصحة دورًا رئيسيًا في رصد الآثار الصحية المرتبطة بالأمراض المنقولة بالغذاء والاستجابة للحوادث والتفشيات.
وتشارك الأمانات والبلديات في عمليات الرقابة والتفتيش على المنشآت الغذائية، بينما يمثل القطاع الخاص الطرف التنفيذي المباشر في تطبيق متطلبات سلامة الغذاء داخل المصانع والمطاعم والمستودعات وغيرها.
ولا تغفل الورقة دور المستهلك باعتباره مصدرًا مهمًا للبلاغات والملاحظات، إلى جانب الجامعات والمراكز البحثية والمختبرات التي توفر الأدلة العلمية والفحوصات اللازمة لتقييم المخاطر وصنع السياسات المبنية على الأدلة.
السعودية تمتلك نقاط قوة.. لكن المشكلة في التكامل
اعتمد الباحث في تحليل البيئة الاستراتيجية على منهجي PESTEL وSWOT لرصد العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والبيئية والتشريعية المؤثرة في سلامة الغذاء.
وأظهرت القراءة وجود عدد من نقاط القوة، أبرزها وجود جهة تنظيمية متخصصة، وإطار تشريعي وفني متقدم، وتطبيق نظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة HACCP، إلى جانب بنية رقمية وبرامج مستمرة للتفتيش والرقابة ورصد المخاطر.
وفي المقابل، حددت الورقة نقاط ضعف، يأتي في مقدمتها تعدد الجهات والأنظمة، وتفاوت مستويات الامتثال، والحاجة إلى تعزيز التكامل بين البيانات الرقابية والصحية، إضافة إلى ارتفاع تكلفة بعض الحلول التقنية ومتطلبات تشغيلها وتحديثها.
وترى الدراسة أن التحول الرقمي يمثل فرصة استراتيجية يمكن توظيفها لتطوير منظومة سلامة الغذاء، خاصة من خلال تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة التتبع والإنذار المبكر.
في المقابل، تواجه المنظومة تهديدات تتمثل في ظهور مخاطر غذائية جديدة، وتعقّد سلاسل الإمداد الدولية، وتنوع المنتجات ومصادرها، واحتمالات المخاطر الميكروبية والكيميائية، إضافة إلى تأثير المعلومات غير الدقيقة أثناء الحوادث الغذائية على ثقة المستهلك.
ثمانية استنتاجات تقود إلى الحل
وخلص التحليل الاستراتيجي إلى مجموعة من النتائج، أبرزها أن المملكة تمتلك بالفعل بيئة مؤسسية وتشريعية وتقنية قوية، وبالتالي فإن تطوير المنظومة لا يتطلب إعادة بناء الإطار التنظيمي من الصفر.
وتحدد الورقة فجوة التكامل باعتبارها أحد أهم التحديات، نتيجة تعدد الجهات والأنظمة وتنوع مصادر البيانات.
كما ترى أن التحول الرقمي يوفر فرصة للانتقال من الاستخدام التقليدي للبيانات إلى توظيفها في تحليل المخاطر والتنبؤ بها، وأن تطوير كفاءة التفتيش وحده لن يكون كافيًا دون بناء منظومة قادرة على اكتشاف مؤشرات الخطر في مراحل مبكرة.
وتشدد كذلك على أهمية الجمع بين الرقابة والوقاية، وتطوير قدرات التتبع والاستجابة مع تعقد سلاسل الإمداد، وصولًا إلى الاستنتاج الأبرز: الأولوية ليست لإضافة أنظمة منفصلة جديدة، وإنما لربط الأنظمة والمنصات القائمة ضمن إطار تكاملي موحد.
ثلاثة بدائل أمام صانع القرار
طرحت الورقة ثلاثة بدائل للسياسة العامة يمكن من خلالها تعزيز سلامة الغذاء في المملكة.
البديل الأول: رقابة وتفتيش مبنيان على المخاطر
يقوم هذا البديل على توجيه الزيارات التفتيشية وأخذ العينات وفق مستوى المخاطر المرتبط بالمنشأة أو المنتج أو مرحلة السلسلة الغذائية، بدلًا من الاعتماد على أنماط رقابية موحدة.
ومن شأن ذلك تحسين توظيف الموارد الرقابية، ورفع القدرة على اكتشاف المخالفات مبكرًا، واستهداف المنشآت والمنتجات الأكثر خطورة.
لكن تطبيق هذا البديل يتطلب بيانات دقيقة ومحدثة، وتطوير مهارات المفتشين، وتحسين بعض الأنظمة والمختبرات وأدوات التحليل.
البديل الثاني: منصة وطنية تكاملية لسلامة الغذاء
وهو البديل الذي حظي بترجيح الورقة.
ولا تقترح الدراسة إنشاء نظام رقمي جديد منفصل، وإنما طبقة تكامل وطنية تربط الأنظمة والمنصات الحكومية القائمة، بما يسمح بتبادل بيانات التفتيش والبلاغات ونتائج المختبرات والتسجيل والتتبع والمخالفات والاستدعاء ومؤشرات المخاطر.
والهدف هو تحويل البيانات المتفرقة إلى قاعدة معلومات مترابطة يمكن استخدامها في التحليل وصنع القرار والإنذار المبكر.
ومن بين مزايا المقترح: تسريع اكتشاف المخاطر، وتحسين الاستجابة للحوادث، ودعم القرارات المبنية على البيانات، وتعزيز الرقابة المبنية على المخاطر، وتحسين تتبع المنتجات ومصادر الخطر، وتوفير مؤشرات وطنية موحدة.
البديل الثالث: تعزيز الوقاية والامتثال داخل المنشآت
يركز هذا البديل على جعل المنشآت الغذائية أكثر مسؤولية عن إدارة مخاطرها، من خلال تعزيز أنظمة الوقاية وإدارة سلامة الغذاء، ورفع كفاءة العاملين، وتقديم برامج تدريب وحوافز للمنشآت ذات مستويات الامتثال المرتفعة، إلى جانب العقوبات المتدرجة على حالات عدم الالتزام.
وتستهدف هذه المقاربة معالجة المخاطر من مصدرها، بحيث تصبح الوقاية جزءًا أصيلًا من إدارة المنشأة، وليس مجرد استجابة للتفتيش.
لماذا رجحت الورقة خيار المنصة الوطنية؟
اعتمدت الدراسة في المفاضلة بين البدائل على خمسة معايير هي: الفاعلية بنسبة 30%، قابلية التنفيذ 25%، الكفاءة من حيث التكلفة 20%، الأثر المتوقع 15%، والاستدامة 10%.
وبحسب التقييم الوارد في الورقة، جاء إنشاء منصة وطنية تكاملية لسلامة الغذاء في المرتبة الأولى، يليه تعزيز الوقاية والامتثال، ثم تعزيز الرقابة والتفتيش المبني على المخاطر.
وتستند الأفضلية إلى أن المنصة لا تعالج جانبًا واحدًا من المشكلة، وإنما توفر البنية المعلوماتية التي يمكن أن تدعم مختلف مكونات المنظومة، بما فيها الرقابة المبنية على المخاطر والوقاية والامتثال والتتبع والاستجابة للحوادث.
ومن هنا، تنظر الورقة إلى المنصة باعتبارها «ممكنًا استراتيجيًا» وليس بديلًا منفصلًا عن الرقابة والوقاية، لأنها توفر الأساس الذي يمكن من خلاله تطوير الأداتين معًا.
من يتولى المنصة؟
تقترح الورقة أن تتولى الهيئة العامة للغذاء والدواء ملكية المنصة والإشراف عليها باعتبارها الجهة المتخصصة في تنظيم ورقابة سلامة الغذاء، على أن يتم تطوير البنية التقنية بالتنسيق مع هيئة الحكومة الرقمية.
كما تقترح تشكيل لجنة حوكمة وطنية تضم الجهات الرئيسية ذات العلاقة، ومنها وزارة الصحة ووزارة البيئة والمياه والزراعة والأمانات والبلديات، بما يضمن تنسيق الأدوار وتكامل البيانات وتحديد المسؤوليات.
وتؤكد الدراسة إمكانية الاستعانة بمزود تقني متخصص في التطوير أو التشغيل، مع بقاء ملكية البيانات والسياسات وحوكمة المنصة والرقابة على أدائها ضمن الإطار الحكومي المختص.
أربع مراحل لتنفيذ المقترح
لا تدعو الورقة إلى تنفيذ المشروع دفعة واحدة، وإنما تقترح مسارًا تدريجيًا من أربع مراحل.
المرحلة الأولى هي التأسيس والحوكمة، وتتضمن تحديد الجهة المسؤولة، وتشكيل اللجنة الوطنية، ووضع إطار لحوكمة البيانات والصلاحيات وحماية البيانات والأمن السيبراني، مع حصر الأنظمة والمنصات الحالية وتحديد فجوات التكامل.
المرحلة الثانية هي التكامل والربط الرقمي، وتبدأ بالبيانات الأكثر ارتباطًا بإدارة المخاطر، مثل بيانات المنشآت والتفتيش والبلاغات ونتائج المختبرات والمخالفات والتتبع والاستدعاء.
المرحلة الثالثة تنتقل إلى التحليل والإنذار المبكر، من خلال استخدام أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي تدريجيًا لتصنيف المنشآت والمنتجات حسب مستويات الخطورة، واكتشاف الأنماط المتكررة وإصدار التنبيهات المبكرة.
أما المرحلة الرابعة فتتعلق بالتوسع والتقييم المستمر، بحيث يجري توسيع نطاق التكامل وتطوير وظائف المنصة وفق نتائج التطبيق الفعلي وقياس أثرها بصورة دورية.
كيف يمكن قياس نجاح المنصة؟
لا تكتفي الورقة باقتراح إنشاء المنصة، وإنما تضع مجموعة من المؤشرات لقياس نجاحها وأثرها.
وتشمل المؤشرات نسبة الجهات الحكومية المرتبطة بالمنصة، ونسبة الأنظمة وقواعد البيانات التي تم تكاملها، ومتوسط زمن تبادل المعلومات عند وقوع حادث غذائي، ومتوسط زمن الاستجابة للبلاغات عالية الخطورة.
كما تشمل نسبة المنشآت والمنتجات المصنفة وفق مستويات المخاطر، ونسبة انخفاض المخالفات المتكررة، ونسبة المنتجات التي يمكن تتبع مسارها إلكترونيًا، وعدد التنبيهات المبكرة التي تم التعامل معها قبل تحولها إلى حوادث أو اتساع نطاقها، إلى جانب رضا الجهات والمنشآت عن المنصة والتحسن العام في مؤشرات الامتثال وسلامة الغذاء.
التكلفة والأمن السيبراني ومقاومة التغيير.. تحديات لا تتجاهلها الورقة
وفي الوقت الذي تدفع فيه الدراسة باتجاه إنشاء المنصة، فإنها لا تتجاهل التحديات المحتملة.
وتشير إلى ارتفاع التكلفة الأولية لربط الأنظمة وتطوير البنية التقنية، واختلاف البنية التقنية للأنظمة القائمة، وصعوبة توحيد البيانات من حيث جمعها وتصنيفها وتحديثها وتبادلها.
كما تبرز تحديات تأهيل الكوادر البشرية ومقاومة التغيير المؤسسي، إلى جانب أهمية الأمن السيبراني وحماية البيانات في ظل زيادة حجم المعلومات التي سيتم تبادلها بين الجهات.
وتقترح الدراسة التعامل مع هذه التحديات من خلال التنفيذ المرحلي، والبدء بالأنظمة والبيانات ذات الأولوية، والاستفادة من البنية الرقمية القائمة، ووضع معايير وطنية موحدة لحوكمة البيانات، وتحديد مسؤوليات وصلاحيات الجهات، وتوفير التدريب المستمر، وربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة.
ما الذي يمكن أن تغيره المنصة؟
بحسب الورقة، فإن التأثير المتوقع لا يقتصر على الجانب التقني.
فعلى مستوى الصحة العامة، يمكن أن يؤدي تحسين اكتشاف المخاطر وتتبع المنتجات إلى الحد من اتساع نطاق الحوادث الغذائية وتقليل آثارها الصحية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن تسهم المنظومة في الحد من الخسائر المرتبطة بالحوادث الغذائية وسحب المنتجات والمخالفات المتكررة، وتحسين استخدام الموارد الرقابية ودعم استقرار سلاسل الإمداد وتعزيز ثقة المستهلك.
أما على مستوى العمل الحكومي، فتتوقع الورقة تحسين التنسيق وتبادل المعلومات وتقليل ازدواجية الإجراءات وتوجيه الموارد الرقابية بصورة أكثر كفاءة.
وفي المقابل، يمكن أن يستفيد القطاع الخاص من تحسين قدرته على تتبع المنتجات والاستجابة للمخاطر ووضوح متطلبات الامتثال، بينما يحصل المستهلك على مستوى أعلى من الحماية والثقة وسرعة التعامل مع البلاغات والحوادث والمعلومات المرتبطة بسلامة الغذاء.
من «اكتشاف الخطر» إلى «التنبؤ به»
وتخلص الورقة إلى أن التحدي الذي تواجهه منظومة سلامة الغذاء في السعودية لم يعد مرتبطًا بغياب التشريعات أو أدوات الرقابة، بقدر ارتباطه بالحاجة إلى رفع مستوى التكامل بين الجهات والأنظمة وتوظيف البيانات في إدارة المخاطر.
ومن هذا المنطلق، ترى الدراسة أن إنشاء منصة وطنية تكاملية يمكن أن يمثل نقطة تحول في طريقة إدارة سلامة الغذاء، من خلال ربط البيانات، وتحسين التتبع، ودعم الرقابة المبنية على المخاطر، وتعزيز الوقاية والامتثال، وتطوير أدوات الإنذار المبكر والتحليل التنبؤي.
وبذلك، لا يصبح الهدف مجرد معرفة أين حدث الخطر وماذا حدث بعد وقوعه، وإنما بناء قدرة مؤسسية وتقنية تساعد على الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: أين يمكن أن يحدث الخطر قبل أن يحدث؟
وهذه هي الفكرة المركزية التي تنتهي إليها ورقة الباحث عبدالله عبدالفتاح محمد جابر: أن مستقبل سلامة الغذاء لا يرتبط فقط بكفاءة المفتش أو سرعة الاستجابة للحادث، وإنما بقدرة الدولة على جمع البيانات من مصادرها المختلفة، وربطها، وتحليلها، وتحويلها إلى إنذار مبكر وقرار استباقي يحمي الإنسان والغذاء والاقتصاد في آن واحد.



