عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر: الطاقة أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي في العصر الحديث
الدكتور عطية محمود عطية: الطاقة لم تعد مجرد قطاع خدمي أو مصدر لتوليد الكهرباء بل أصبحت العمود الفقري لكل مجالات التنمية

الجسر – خاص
أكد الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، أن الطاقة أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي في العصر الحديث، مشدداً على أنها لم تعد مجرد قطاع خدمي أو مصدر لتوليد الكهرباء، بل أصبحت العمود الفقري لكل مجالات التنمية، من الزراعة والصناعة والنقل إلى التعليم والبنية التحتية والحياة اليومية للمواطنين.
جاء ذلك خلال لقائه التلفزيوني على قناة Nile Live، في حوار تناول عدداً واسعاً من القضايا المرتبطة بأمن الطاقة، والتحول الأخضر، والتغير المناخي، ومزيج الطاقة في مصر، ومستقبل النفط والغاز، والطاقة النووية، والهيدروجين الأخضر، ودور الجامعات والبحث العلمي في مواجهة التحديات الوطنية.
واستهل الدكتور عطية حديثه بالتأكيد على أن «الطاقة هي الحياة»، موضحاً أن تحقيق أمن الطاقة يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن القومي والأمن الاقتصادي، وكذلك لتحقيق التقدم والازدهار في مختلف المجالات. وأشار إلى أن الزراعة والصناعة والنقل وجميع قطاعات الإنتاج تعتمد بصورة مباشرة على توفر الطاقة، مؤكداً أن غياب الطاقة يعني توقف القدرة على العمل والإنتاج والتواصل والتنمية.
وأوضح أن الطاقة بجميع مواردها ومصادرها يجب أن يتم استغلالها بصورة قوية وفعالة، لكن مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأمن المناخي، معتبراً أن الجمع بين أمن الطاقة وأمن المناخ يمثل معادلة صعبة ولكنها ضرورية في المرحلة الحالية.
وتطرق عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، إلى قضية التحول الأخضر، مؤكداً أنه لم يعد خياراً يمكن تأجيله أو التعامل معه باعتباره توجهاً اختيارياً، بل أصبح قضية أمن قومي واقتصادي وسياسي. لكنه شدد على أن التحول الأخضر لا يجب أن يتم على حساب أمن الطاقة أو على حساب التنمية، موضحاً أن أمن المناخ لا يمكن أن يتحقق دون أمن الطاقة، وأن أمن الطاقة لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري.
وأشار إلى أن العالم يقف اليوم أمام معضلة حقيقية بين ضرورة مواجهة التغير المناخي من جهة، وضمان توفير الطاقة اللازمة للتنمية من جهة أخرى، واصفاً هذه المعضلة بأنها بين «المطرقة والسندان». فالمطلوب، بحسب حديثه، ليس إلغاء مصدر لصالح مصدر آخر بشكل مفاجئ، بل إدارة تحول تدريجي مسؤول يضمن خفض الانبعاثات دون الإضرار باستقرار إمدادات الطاقة أو احتياجات التنمية.
وفي حديثه عن مصادر التلوث، أوضح عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، أن الوقود الأحفوري يمثل مصدراً رئيسياً للانبعاثات، مشيراً إلى أن الفحم يعد الأعلى تلويثاً، يليه النفط، ثم الغاز الطبيعي الذي يعد أقل مصادر الوقود الأحفوري تلويثاً. كما أشار إلى أن ثاني أكسيد الكربون يمثل النسبة الأكبر من الغازات المسببة لارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب الميثان وأكسيد النيتروز وغيرهما من الغازات.
وأوضح أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية تصل إلى نحو 38.4 مليار طن سنوياً، بينما تبلغ انبعاثات الميثان نحو 610 ملايين طن، مع التنبيه إلى أن طن الميثان الواحد يعادل تقريباً 28 طناً من ثاني أكسيد الكربون من حيث التأثير المناخي. كما أشار إلى أن أكسيد النيتروز، المرتبط في جانب منه باستخدام الأسمدة النيتروجينية في الزراعة، تبلغ انبعاثاته نحو 28 مليون طن، وأن الطن الواحد منه يعادل نحو 273 طناً من ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أنه يبقى في الغلاف الجوي لفترة قد تتجاوز 100 عام قبل أن يتحلل.
وتناول الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، تطور درجات الحرارة العالمية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، موضحاً أن الفترة من 1850 إلى 1900 تعد مرجعاً أساسياً لقياس ارتفاع الحرارة. وأشار إلى أن درجات الحرارة بدأت في الارتفاع تدريجياً عبر العقود، حتى وصلت في الفترة من 2023 إلى 2025 إلى نحو 1.45 درجة مئوية، معتبراً أن الاقتراب من مستوى 1.5 درجة يمثل خطراً شديداً، خاصة على مصر ومنطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن مصر، رغم أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية محدودة وتقدر بنحو 0.6%، تعد من الدول الأكثر تأثراً بتداعيات التغير المناخي. وأرجع ذلك إلى موقع مصر الجغرافي ووقوعها على ثلاثة أحزمة رئيسية؛ أولها الحزام الصحراوي العالمي، الذي يتميز بارتفاع الإشعاع الشمسي حيث تصل الكثافة الإشعاعية فيه إلى ما بين 2000 و2600 كيلووات ساعة لكل متر مربع، وهو ما يجعل مصر غنية بإمكانات الطاقة الشمسية، لكنه في الوقت نفسه يعني أن درجات الحرارة قد ترتفع فيها أكثر من المتوسط العالمي.
كما أشار إلى وقوع مصر على حزام البحر الأحمر التصدعي، المرتبط بوجود النفط والغاز في مناطق مثل الخليج والبحر الأحمر، بالإضافة إلى الحزام العربي النوبي، الذي يرتبط بوجود المعادن في الصحراء الشرقية وسيناء. وأضاف أن مصر تاريخياً عاشت آلاف السنين على مساحة محدودة من الأراضي المأهولة، لا تتجاوز نحو 4% من مساحتها، بينما يغلب الطابع الصحراوي على باقي المساحة، وهو ما يجعل ارتفاع درجات الحرارة مؤثراً بصورة أكبر على الزراعة والمياه والحياة اليومية.
وأوضح أن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجة واحدة يزيد قدرة الغلاف الجوي على حمل بخار الماء بنحو 7%، وهو ما يؤدي إلى زيادة احتمالات الظواهر المناخية المتطرفة؛ فالمناطق الجافة تزداد جفافاً، والمناطق الرطبة تزداد رطوبة، كما ترتفع احتمالات الفيضانات والجفاف والتصحر وذوبان الجليد وارتفاع منسوب البحار.
وأكد الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، أن التعامل مع هذه التحديات لا يجب أن يقتصر على السياسات العامة فقط، بل يجب أن يمتد إلى البحث العلمي التطبيقي. ودعا الوزارات والمؤسسات الصناعية إلى التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية من خلال تمويل أبحاث تطبيقية ومسابقات بحثية تطرح المشكلات الواقعية أمام الباحثين والطلاب المصريين، بحيث يتم تحويل التحديات الوطنية إلى فرص علمية وعملية لإنتاج حلول قابلة للتنفيذ.
وفي محور مزيج الطاقة، أكد أن أمن الطاقة لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتماد على مصدر واحد، بل من خلال تنويع مصادر الطاقة. وأوضح أن مصر ملتزمة بتعهداتها الخاصة بالمناخ، لكنها في الوقت نفسه ملتزمة بتوفير الطاقة وتحقيق أمنها، وهو ما يتطلب مزيجاً متوازناً يجمع بين الغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة، والطاقة النووية، والطاقة الحيوية، والهيدروجين، وتحسين كفاءة الطاقة.
وأشار إلى أن مصر لا تزال تعتمد بنسبة كبيرة على الوقود الأحفوري، خاصة الغاز الطبيعي، حيث يستخدم الوقود الأحفوري في أكثر من 80% من مزيج الطاقة، بينما تمثل الطاقة المتجددة جزءاً متنامياً لكنه لا يزال أقل من المطلوب. وذكر أن القدرة الحالية من الطاقات المتجددة في مصر تصل إلى نحو 9.7 جيجاوات، وأن إنتاج الكهرباء في مصر يبلغ نحو 225 تيراوات ساعة، منها ما يقارب 30 إلى 35 تيراوات ساعة من مصادر الطاقة المتجددة.
وقارن الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، هذه الأرقام بتجارب عالمية، مشيراً إلى أن الصين تعد أكبر دولة في العالم من حيث استهلاك الكهرباء، حيث يصل استهلاكها إلى نحو 10470 تيراوات ساعة، منها أكثر من 4000 تيراوات ساعة من الطاقة المتجددة. كما أشار إلى أن الولايات المتحدة تنتج نحو 4430 تيراوات ساعة من الكهرباء، منها حوالي 1060 تيراوات ساعة من مصادر متجددة. وأوضح أن الصين، رغم كونها أكبر منتج للطاقة المتجددة في العالم، تعد أيضاً من أكبر الدول المسببة للتلوث، وهو ما يوضح تعقيد معادلة الطاقة والتنمية على المستوى العالمي.
وأضاف أن العالم كله لا يعتمد على الطاقة المتجددة وحدها، بل لا يزال مزيج الطاقة العالمي يضم النفط والغاز والفحم بنسب كبيرة، مشيراً إلى أن النفط يمثل نحو 30%، والغاز نحو 22%، والفحم نحو 26% من مزيج الطاقة العالمي. ومن هنا، أكد أن الواقعية تفرض على الدول أن تبني مزيجاً متوازناً من مصادر الطاقة، لا أن تعتمد على مصدر واحد أو تنتقل بشكل مفاجئ وغير محسوب.
وفيما يخص التجربة المصرية، أوضح أن مصر لا تعتمد على الفحم، وأن الاعتماد الأكبر يكون على الغاز الطبيعي باعتباره أقل تلويثاً مقارنة بالفحم والنفط. كما أشار إلى أن مصر تعمل في الوقت نفسه على تعظيم دور الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة. ولفت إلى أن مصر بدأت اهتمامها المؤسسي بالطاقة المتجددة منذ عام 1986 بإنشاء هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وأن الفترة من 1986 حتى 2014 شهدت نمواً محدوداً في القدرات المتجددة، بينما شهدت الفترة التالية توسعاً أكبر، خاصة مع مشروع بنبان للطاقة الشمسية الذي أضاف نحو 1.6 جيجاوات.
وأشار أيضاً إلى أن مصر تمتلك نحو 2.8 جيجاوات من الطاقة المائية، وأن الدولة أصدرت القانون رقم 2 لسنة 2024 لتقديم حوافز مرتبطة بالهيدروجين الأخضر، بما يعكس توجهها نحو الدخول بقوة في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة وتعظيم دورها في المستقبل.
وتناول الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، ملف الطاقة النووية، موضحاً أن مصر دخلت هذا المجال من خلال مشروع محطة الضبعة، التي تضم أربعة مفاعلات، قدرة كل مفاعل منها 1.2 جيجاوات، بإجمالي 4.8 جيجاوات. وأوضح أن هذه المفاعلات يمكن أن تنتج نحو 30 إلى 35 تيراوات ساعة من الكهرباء، وهو رقم كبير نظراً إلى ارتفاع معامل القدرة في الطاقة النووية، والذي قد يصل إلى نحو 85%، على غرار محطات الغاز.
وأكد أن الطاقة النووية تعد مصدراً نظيفاً للطاقة وتم تصنيفها ضمن مصادر الطاقة النظيفة، مشيراً إلى أن العمر الافتراضي للمفاعل النووي قد يتراوح بين 60 و80 عاماً. كما أوضح أن المفاعل النووي ينتج طاقة كهربائية بقدرة عالية دون انبعاثات كربونية مباشرة أثناء التشغيل، وهو ما يجعله جزءاً مهماً من مزيج الطاقة المستقبلي، إلى جانب الغاز والطاقة المتجددة.
وشدد على أن الهدف الرئيسي ليس استبدال مصدر بآخر بشكل كامل، بل تنويع مصادر الطاقة من خلال مزيج يشمل جميع المصادر المتاحة، بما فيها الغاز والطاقة النووية والطاقة المتجددة. وأضاف أن مصطلح «صفر انبعاثات» لا يعني بالضرورة عدم وجود أي انبعاثات على الإطلاق، بل يعني تحقيق توازن بين ما يتم إطلاقه من انبعاثات وما يتم امتصاصه أو تعويضه، بحيث يصبح الأثر الكربوني النهائي صفراً.
وتطرق الحوار إلى أزمة الطاقة الحالية في مصر، حيث أوضح الدكتور عطية أن مصر تعاني من فجوة بين الإنتاج والاستهلاك في قطاعي النفط والغاز، وهو ما يزيد من فاتورة الاستيراد. وأكد أن التعامل مع هذه الفجوة يتطلب الاعتماد على الموارد المحلية بقدر الإمكان، وتحقيق تنوع في مصادر الطاقة، مع التوسع في الطاقة المتجددة والنووية وتحسين كفاءة الاستخدام.
واعتبر الدكتور عطية أن كفاءة الطاقة تمثل أهم نقطة يجب البدء بها، مؤكداً أن تحسين الكفاءة يشبه بناء محطات جديدة دون ضخ استثمارات ضخمة. وأوضح أن ترشيد الطاقة في المنازل والمباني والمصانع يمكن أن يوفر كميات كبيرة من الاستهلاك، مشيراً إلى أن الفقد في الطاقة قد يصل إلى نحو 22%، منه جزء فني قد يقدر بنحو 7%، بينما يرتبط الجزء الأكبر بسلوكيات غير منضبطة أو بضعف إدارة الاستهلاك.
ودعا إلى التوسع في استخدام العدادات الذكية، وتطبيق نظم التحكم والرقابة، وإدخال الذكاء الاصطناعي في إدارة الطلب والعرض، وتحديد الأولويات في استهلاك الطاقة. وأكد أن إدارة الطاقة لم تعد مجرد مسألة إنتاج، بل أصبحت مسألة إدارة ذكية للموارد، وسلوك مجتمعي، وتقنيات رقمية قادرة على تقليل الهدر وتحسين الكفاءة.
وفي محور النفط والغاز، تناول الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، إعلان المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، عن إنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز لتصل إلى صفر لأول مرة منذ سنوات، بعد أن بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024. واعتبر الدكتور عطية أن هذا الإعلان جاء في توقيت استراتيجي حساس، خاصة في ظل أزمة الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، ومنها ما يتعلق بمضيق هرمز وأمن الإمدادات.
وأوضح أن سداد المستحقات يعطي رسالة طمأنة قوية وفورية للأسواق العالمية والمستثمرين، ويؤكد أن مصر تفي بالتزاماتها وتوفر بيئة استثمارية آمنة ومستقرة. وأشار إلى أن شركات الطاقة الكبرى، خاصة الشركات القادرة على العمل في المياه العميقة، محدودة على مستوى العالم، ومن ثم فإن الحفاظ على ثقتها يعد أمراً ضرورياً لجذب الاستثمارات واستمرار عمليات التنقيب والتنمية والإنتاج.
وأوضح أن تراكم المستحقات يؤدي إلى تأخير الإنتاج، وتعطيل التنمية، وتراجع عمليات التنقيب، وزيادة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ومن ثم ارتفاع فاتورة الاستيراد. لذلك، اعتبر أن تصفير المستحقات يمثل نقطة انطلاق قوية لإعادة بناء الثقة مع الشركاء الأجانب، لكنه شدد على ضرورة دراسة أسباب تراكم هذه الديون ووضع آلية تمنع تكرارها مستقبلاً.
واستعرض تطور هذه الأزمة تاريخياً، مشيراً إلى أن مصر في الفترة من 2008 إلى 2010 لم تكن تستورد بالوضع الحالي، بل كانت تنتج من النفط نحو 710 آلاف برميل يومياً، في مقابل استهلاك قريب من هذا الرقم. كما كانت تنتج في عام 2009 نحو 6 مليارات قدم مكعب يومياً من الغاز، بينما كان الاستهلاك نحو 4 مليارات قدم مكعب يومياً، أي أن هناك فائضاً بنحو 2 مليار قدم مكعب يومياً كان يتم تصديره.
وأوضح أن التحديات الاقتصادية والظروف الاستثنائية التي شهدتها البلاد خلال تلك الفترة انعكست على أداء العديد من القطاعات، بما في ذلك أنشطة الشركات، وتحويلات المصريين بالخارج، وقطاع السياحة، وتوافر النقد الأجنبي، مما أدى إلى تراكم مستحقات بلغت نحو 3 مليارات دولار في عام 2011، ثم ارتفعت إلى 4.3 مليار دولار في عام 2012، قبل أن تصل إلى نحو 6.3 مليار دولار في عام 2015.
وأشار إلى أن اكتشاف حقل ظهر، الذي تقدر احتياطياته بنحو 30 تريليون قدم مكعب، ساعد مصر على تحسين موقفها، وتم خفض المستحقات من نحو 6 مليارات دولار إلى 1.3 مليار دولار في 2018. لكن أزمة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعهما من ضغوط على العملة الأجنبية أدت مرة أخرى إلى ارتفاع المستحقات إلى نحو 3.5 مليار دولار، ثم 4.7 مليار دولار، حتى وصلت إلى 6.1 مليار دولار في يونيو 2024.
وأكد عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، أن الدرس الأساسي هو ضرورة عدم السماح بتكرار هذه الأزمة، مشيراً إلى أن سداد المستحقات يمثل «تحولاً فارقاً» وإعلاناً تسويقياً قوياً يمنح المستثمرين الثقة. كما أشار إلى أن الإعلان عن حفر 101 بئر استكشافية يعد خطوة مهمة، إلى جانب ما تم تداوله بشأن إمكانية حفر 480 بئراً خلال خمس سنوات وضخ استثمارات قد تصل إلى 20 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز، خاصة في البحر المتوسط، مع مساهمات من شركات عالمية مثل BP وأباتشي وغيرها.
ولفت إلى أن نتائج هذه الاستثمارات لن تظهر فوراً، موضحاً أن زيادة الإنتاج تحتاج إلى فترة زمنية، لكن بعض الآثار قد تظهر بشكل أسرع من خلال إعادة تشغيل آبار تحتاج إلى إصلاحات بسيطة، أو ربط اكتشافات قريبة من الشبكة القائمة، أو تقليل المدة بين الاكتشاف والإنتاج.
واستشهد بتجارب دولية لتوضيح أثر الاستثمار والحوافز على قطاع الطاقة؛ فذكر أن الولايات المتحدة واجهت في 2008 مشكلة كبيرة في أسعار الغاز، حيث وصل سعر المليون وحدة حرارية إلى نحو 13 دولاراً، ثم أدت ثورة الغاز الصخري إلى خفض السعر إلى نحو 3 دولارات بحلول 2012. كما أشار إلى تجربة البرازيل في المياه العميقة، حيث ارتفع إنتاجها خلال أربع سنوات من نحو 2 مليون برميل يومياً إلى 3.2 مليون برميل يومياً بعد تقديم حوافز استثمارية كبيرة للشركات. وذكر كذلك تجربة قطر في الغاز الطبيعي المسال، حيث كانت تنتج نحو 20 مليون طن سنوياً في 2005، ثم استثمرت نحو 34 مليار دولار لتصل إلى نحو 77 مليون طن في 2010.
وفي شرحه لطبيعة الشراكة مع الشركات الأجنبية، أوضح الدكتور عطية أن الشريك الأجنبي يحصل على منطقة امتياز وفق اتفاقية محددة تتضمن شروطاً واضحة، منها الحد الأدنى للاستثمار، وعدد الآبار المطلوب حفرها، وحجم الإنفاق السنوي، وآليات استرداد التكاليف. وأوضح أن الدولة لا تمنح منطقة الامتياز للشريك ليحتفظ بها دون عمل، بل تتابع التزامه بالحفر والاستثمار. وإذا لم يحقق الشريك اكتشافاً تجارياً فإنه لا يسترد ما أنفقه، أما إذا تم اكتشاف النفط أو الغاز فإنه يسترد تكاليفه من خلال آليات تسمى Cost Recovery وفقاً للإنتاج والاتفاق المبرم.
وأشار إلى أن جوهر العلاقة هو عدم تراكم مستحقات جديدة للشريك الأجنبي، لأن تأخير السداد يؤثر على الاستثمار والإنتاج. كما أوضح أن الشريك قد تكون له حصة تشتريها الدولة منه، أو يتم تقسيم الإنتاج وفقاً للاتفاق بين الهيئة العامة للبترول والشريك الأجنبي.
وتناول الحوار أيضاً البنية التحتية المصرية في مجال الغاز الطبيعي، حيث أكد الدكتور عطية أن مصر تمتلك بنية تحتية جيدة ومهمة، تشمل محطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط. وأوضح أن محطة إدكو تبلغ قدرتها نحو 7.2 مليون طن سنوياً، بينما تبلغ قدرة دمياط نحو 5 ملايين طن سنوياً، بإجمالي يتراوح بين 12 و13 مليون طن سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً 16 إلى 18 مليار متر مكعب من الغاز.
وأكد أن هذه البنية التحتية، إلى جانب الموقع الجغرافي لمصر بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، تمنح البلاد فرصة مهمة لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة، ليس فقط في الغاز الطبيعي، بل في مختلف مصادر الطاقة، بما فيها الهيدروجين. وأشار إلى أهمية التكامل مع قبرص واليونان ودول الجوار، وكذلك التعاون الكهربائي مع السعودية من خلال مشروع الربط الكهربائي بقدرة 3 جيجاوات، موضحاً أن اختلاف أوقات الذروة بين البلدين يجعل هذا التكامل مفيداً للطرفين.
وأضاف أن امتلاك مصر لشبكة غاز، ومحطات إسالة، وشبكة طرق قوية، وموقع استراتيجي، كلها عناصر تساعد على جذب المستثمرين، وإنشاء المصانع، ودعم قدرة الدولة على تحقيق أمن الطاقة. وأكد أن الزراعة والصناعة والنقل وكل قطاعات التنمية تحتاج إلى الطاقة، وأن المرحلة الحالية تتطلب تعظيم دور الطاقات المتجددة، والطاقة النووية، والطاقة الحيوية، إلى جانب الغاز الطبيعي.
وفيما يتعلق بالطاقة الحيوية، أوضح الدكتور عطية أن بعض الملوثات، مثل أكسيد النيتروز والغازات الناتجة عن المخلفات العضوية، يمكن التعامل معها علمياً لإنتاج طاقة حيوية أو غاز حيوي Biogas، بما يحول بعض المشكلات البيئية إلى فرص لإنتاج الطاقة.
كما تطرق إلى دور الجامعة البريطانية في مصر وكلية هندسة الطاقة والبيئة في إعداد كوادر متخصصة في مجالات نادرة ومهمة، مشيراً إلى وجود برامج مرتبطة بالطاقة الحيوية، والطاقة المتجددة، والسيارات المستدامة أو الكهربائية، والمباني المستدامة صديقة البيئة. وأكد أن الإنسان هو المحور الأساسي لأي تحول حقيقي، وأن العلم والبحث العلمي هما الطريق لبناء العقول وإنتاج الحلول، مشدداً على ضرورة عدم عزل السياسات والمشكلات الوطنية عن الجامعات والمؤسسات البحثية.
وفي جزء آخر من الحوار، شرح الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، أنواع الهيدروجين، موضحاً أن لون الهيدروجين يرتبط بطريقة إنتاجه ومصدر الطاقة المستخدم. فالهيدروجين الأسود ينتج من الفحم، والهيدروجين الأبيض يوجد في الصخور، والهيدروجين الوردي ينتج باستخدام الطاقة النووية، والهيدروجين الأصفر ينتج من الطاقة الشمسية. كما أوضح أن الهيدروجين الأخضر يرتبط بمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والنظيفة مثل الشمس والرياح والمياه، وأحياناً الطاقة النووية بحسب التصنيفات الحديثة للطاقة النظيفة.
وأكد أن الهيدروجين الأخضر يمثل أحد مسارات المستقبل، خاصة في الدول التي تمتلك موارد قوية من الطاقة الشمسية والرياح، مثل مصر. لكنه أشار ضمنياً إلى أن الهيدروجين، مثل غيره من مصادر الطاقة الجديدة، يحتاج إلى بنية تحتية واستثمارات وسياسات واضحة حتى يتحول إلى عنصر مؤثر في مزيج الطاقة.
وفي تفسيره للطاقة النووية، أوضح أنها تقوم على مفاعلات نووية تولد الكهرباء بقدرات عالية ومعامل قدرة كبير، دون أن تطلق انبعاثات كربونية مباشرة أثناء التشغيل. وأكد أن المفاعلات النووية الحديثة تعمل وفق نظم أمان صارمة، وأن العمر الافتراضي لها قد يصل إلى 60 أو 80 عاماً، وهو ما يجعلها استثماراً طويل الأجل في أمن الطاقة.
وأوضح أن محطة الضبعة، بمفاعلاتها الأربعة، ستضيف قدرة كبيرة إلى منظومة الكهرباء المصرية، وقد تنتج ما يتراوح بين 35 و40 تيراوات ساعة من الكهرباء. واعتبر أن هذا الحجم من الإنتاج يمثل إضافة قوية، خاصة أن الطاقة النووية مستقرة ولا تعتمد على تقلبات الطقس مثل الشمس والرياح.
وفي ختام الحوار، قدم الأستاذ الدكتور عطية محمود عطية، عميد كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر، عدداً من الرسائل المهمة للمواطنين والمؤسسات والدولة. فقد دعا أولاً إلى الاهتمام بكفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك، مؤكداً أن هذا واجب على كل فرد، وأن ترشيد الطاقة في المنازل والمؤسسات يمكن أن يحقق وفراً كبيراً قد يصل إلى 20% دون الحاجة إلى إنشاء مصانع أو محطات جديدة.
ودعا كذلك المواطنين والشركات والمصانع إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، سواء على أسطح المنازل أو من خلال وحدات مستقلة للمصانع تساعدها على توليد جزء من احتياجاتها من الكهرباء. كما دعا الوزارات والمصانع إلى طرح مشكلاتها الحقيقية وتمويل الباحثين المصريين والعلماء والجامعات لإيجاد حلول عملية لها.
وأكد أن المجتمع كله يجب أن يتكاتف في هذه المرحلة، وأن يتحلى بالصبر، لأن سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في النفط والغاز لن يحدث بين يوم وليلة. لكنه أشار إلى أن الخطوات الحالية يمكن أن تحد من الانخفاض الحاد في الإنتاج، وتعيد تدريجياً تحسين الموقف مع بدء عودة الاستثمارات والتنقيب والإنتاج.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التعاون والتعليم والبحث العلمي هي مفاتيح المرحلة المقبلة، داعياً الجميع إلى الاهتمام بالطاقات المتجددة، والطاقة الحيوية، والطاقة النووية، والسيارات الكهربائية، والتحول التدريجي المستدام. وأوضح أن أمن الطاقة يعني توافر الطاقة من مصادر متنوعة، وبأسعار مناسبة، وبصورة مستدامة ومتاحة، مؤكداً أنه إذا قام كل طرف بدوره، فإن مصر تستطيع معالجة جزء كبير من تحديات الطاقة والتحرك بثبات نحو مستقبل أكثر استقراراً واستدامة.



