قراءة في القمة الأفريقية الروسية الثالثة
بقلم/ لواء دكتور / محمود ضياء الدين - استشاري الدفاع والأمن القومي

تتسم العلاقات الأجنبية بالقارة الأفريقية بالتنافس المحموم بين القوى الدولية الكبرى [ الصين – روسيا الإتحادية – الولايات المتحدة الأمريكية – الإتحاد الأوروبي ] بهدف الاستفادة من الموقع الإستراتيجي للقارة ومواردها الكبيرة.
وتنبع الأهمية الإستراتيجية لأفريقيا من كونها تمتلك حوالى 12% من احتياطيات النفط العالمية ، و30٪ من احتياطيات العالم من المعادن، و 8٪ من الغاز الطبيعي، و40٪ من احتياطيات الذهب، بالإضافة إلى الثروات المعدنية الحيوية كالماس، والكوبالت، واليورانيوم، و65% من الأراضي الصالحة للزراعة، الأمر الذى جعل أفريقيا محورًا مُهمًا للاقتصاد العالمي، خاصة في مجال الصناعات الإستراتيجية عالية التقنية، مثل: الرقائق الإلكترونية Semiconductors، والبطاريات، والصناعات المرتبطة بالطاقة الخضراء، علاوة على أنها تتحكم في ممرات ملاحية عالمية بالغة الأهمية مثل قناة السويس، وباب المندب، ومضيق جبل طارق، وخليج عدن.
وقد لعبت عدة عوامل دورًا في تسليط الضوء مجددًا على أفريقيا في إطار معادلة البحث عن القوة وتعزيز النفوذ بين المتنافسين الإقليميين والدوليين.
ومن هذه العوامل قضايا النمو السكاني، ووفرة الموارد الطبيعية، ومن هذا المنطلق جاء انعقاد القمة الأفريقية الروسية الثالثة بالعاصمة الروسية موسكو لتفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين الجانبين.
واختتمت أعمال القمة الروسية الأفريقية والتي عقدت تحت شعار «من أجل السلام والأمن والتنمية»، بمشاركة عدد “48” من الدول الأفريقية، و”22″ من قادة ورؤساء الدول يتقدمهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذى أكد حرص مصر على توطيد الشراكة الإستراتيجية وتوسيع التعاون مع روسيا، في حين أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى إن مصر بقيادة الرئيس السيسي من المؤسسين لقمة منتدى «روسيا – أفريقيا»، موجها له الشكر بسبب دعمه لجهود التنمية مع الدول الأفريقية».
وتعود جذور العلاقات الروسية الأفريقية إلى ما قبل الحرب الباردة، لكنها إكتسبت أبعادها السياسية والإقتصادية الأوسع مع صعود الإتحاد السوفيتى السابق ودعمه حركات الإستقلال فى أفريقيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى.
ولم تقتصر العلاقة أنداك على الدعم السياسي، بل امتدت إلى التمويل والتدريب والتعليم والتعاون العسكري، فضلا عن مشاريع البنية التحتية، مثل مساهمة موسكو في بناء السد العالي في مصر.
لكن انهيار الإتحاد السوفياتي عام 1991 أدى إلى تراجع الحضور الروسي في القارة، قبل أن تبدأ موسكو منذ مطلع الألفية الجديدة بإعادة بناء علاقاتها مع الدول الأفريقية، مستندة إلى إرث تاريخي قائم على التعاون السياسي، وموسعةً نطاقه تدريجيا ليشمل الطاقة والتعدين والأسلحة والحبوب والأسمدة.
وتسعى روسيا خلال الفترة الحالية إلى تحويل هذا الإرث إلى شراكات اقتصادية أوسع، في وقت تبحث فيه الدول الأفريقية عن تنويع شركائها ومصادر التمويل والتكنولوجيا، وسط تنافس دولي متزايد على أسواق القارة ومواردها.
تعد المشاركة المصرية انطلاقا من الدور الريادي الذى تضطلع به الدولة المصرية كحلقة وصل محورية بين روسيا والقارة الإفريقية من خلال محطات الشراكة الإستراتيجية، من سوتشى 2019 إلى موسكو 2026، حيث قامت مصر بدور محوري وقائد في صياغة وتطوير الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والقارة الإفريقية، حيث تمثل القاهرة حلقة الوصل الأساسية لتعزيز التعاون التنموي والاقتصادي المشترك، وهو ما تجسد بشكل فاعل عبر محطات القمم السابقة :
القمة الروسية / الأفريقية الأولى (سوتشى – أكتوبر 2019) وترأس فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي أعمال القمة بالرئاسة المشتركة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتزامن مع تولّى مصر رئاسة الإتحاد الأفريقي في ذلك العام، وعقدت القمة الروسية / الأفريقية الثانية (سان بطرسبرج – يوليو 2023)، وشارك السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسجلاً رؤية مصرية متكاملة لتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير سلاسل الإمداد، وتدشين شراكات صناعية وتكنولوجية متطورة تخدم تطلعات الشعوب الإفريقية.
وتُعدّ القمة الروسية الأفريقية الحدث الأهم والأكبر في العلاقات بين الجانبين – وتهدف إلى الاتي :
1 – بناء نظام دولي متعدد الأقطاب تسعى فيه موسكو إلى كسب تأييد الدول الأفريقية لدعم رؤيتها المناهضة للهيمنة الغربية، وبناء توازنات دولية جديدة.
2 – تعزيز الأمن الغذائي والطاقة حيث تسعى موسكو لتوسيع صادراتها من الحبوب والأسمدة إلى الدول الأفريقية، ودعم مشروعات الإنتاج المحلى والطاقة النووية السلمية.
3 – التعاون الأمني والعسكري من خلال تركيز روسيا على التنسيق في مكافحة الإرهاب والتطرف، والتعاون في التصدي لاستخدام الطائرات المسيرة والأموال الرقمية، وتزويد الدول الأفريقية بالدعم الأمني والعسكري.
4 – توطين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حيث تضمنت الاتفاقيات الجديدة بين روسيا ودول القارة تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي وتطوير أنظمة الدفع المستقلة.
5 – الارتقاء بمستوى الشراكة المتبادلة المنفعة إلى آفاق جديدة، بما يُلبى تحديات القرن الحادي والعشرين.
6 – تعزيز التعاون الشامل والعادل بين روسيا وأفريقيا في كافة المجالات السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والعلوم والتكنولوجيا، والثقافة، والشؤون الإنسانية.
7 – توسيع الشراكات الاقتصادية ” تُقدم روسيا منحًا لـ16 دولة إفريقية.
8 – زيادة التعاون في مجال الطاقة من خلال التوسع في بناء محطات الكهرباء، وتحديث المنشآت القائمة وتطويرها لتوفير الطاقة للمناطق النائية.
9 – دعم إقامة الممرات الإستراتيجية والمناطق اللوجستية ارتباطا بكونها أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التكامل الاقتصادي وزيادة التجارة البينية مع أفريقيا من خلال تطوير الممرات اللوجستية في إفريقيا، تشمل تصميم وبناء وتحديث السكك الحديدية والطرق البرية والخطوط البحرية ومراكز النقل، بالإضافة إلى تجهيزها بأنظمة رقمية لإدارة حركة البضائع وتتبعها والتصريح الجمركي.
10 – توسيع العلاقات المصرفية من خلال تطوير قنوات مستدامة للتسويات المالية بالعملات الوطنية، وتوسيع العلاقات المصرفية بين روسيا وإفريقيا، بما في ذلك فتح فروع للبنوك في الجانبين، واستخدام آليات بديلة لنقل المعلومات المتعلقة بالمدفوعات.
11 – توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري من خلال زيادة حجم التبادل التجاري حيث تبلغ حالياً حوالى 27 مليار دولار ومن المنتظر زيادتها لتبلغ 40 مليار دولار.
12 – إعلاء التعاون التعليمي والثقافي حيث تستقبل الجامعات الروسية حاليًا نحو 40 ألف طالب من الدول الإفريقية، وزادت الحصص المخصصة للمنح الدراسية للعام الأكاديمي 2026-2027 إلى 5500 مقعد، كما أن الجامعة الشبكية الروسية الإفريقية، التي تعمل تحت إشراف وزارة التعليم والعلوم الروسية منذ عام 2021، تضم أكثر من 70 جامعة من 17 دولة إفريقية، ويستفيد من برامجها التعليمية أكثر من ألف طالب إفريقي.
13 – التركيز على الأمن المائي وفقًا لقواعد القانون الدولي، وفى مقدمتها مبدأ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوافق.
على جانب أخر سعت الدول الأفريقية من خلال مشاركتها في القمة الأفريقية الروسية إلى تحقيق حزمة من الأهداف الإستراتيجية والتنموية والأمنية .. يتمثل أبرزها في الاتي :
1 – تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد من خلال تأمين تدفقات مستدامة من الحبوب والقمح والأسمدة الروسية بأسعار تفضيلية، لا سيما بعد التوترات المستمرة في سلاسل الإمداد العالمية.
2 – جذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية من خلال تحفيز الشركات الروسية الكبرى على الاستثمار في قطاعات الطاقة (مثل مشاريع الطاقة النووية السلمية والتقليدية) والنقل، والمساهمة في بناء بنية تحتية قوية تدعم “أجندة الاتحاد الأفريقي للتنمية المستدامة”.
3 – التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب لسد الفجوات الأمنية من خلال الحصول على الدعم العسكري، والتدريب، والاستشارات الأمنية لمواجهة الجماعات المتطرفة والاضطرابات الداخلية، خاصة في مناطق الساحل ووسط أفريقيا.
4 – نقل التكنولوجيا والتحول الرقمي من خلال بناء شراكات تقنية تتيح للدول الأفريقية الاستفادة من الخبرات الروسية في مجالات العلوم، والتعدين، والذكاء الاصطناعي، والحلول الرقمية.
5 – تنويع الشراكات الدولية والاستقلالية الإستراتيجية لتفادى الاعتماد المفرط على القوى الغربية التقليدية، والبحث عن خيارات تمويلية وتجارية بديلة تعزز السيادة الوطنية لكل دولة.
6 – إصلاح النظام المالي العالمي بتطوير آليات دفع وأنظمة مالية جديدة تعتمد على العملات المحلية والمشتركة، مما يقلل الاعتماد على الدولار واليورو ويحمى الاقتصاد الأفريقي من تداعيات العقوبات الأحادية.
7- زيادة النفوذ السياسي فى الساحة الدولية باستثمار التنسيق مع روسيا لدعم تمثيل أفريقي أقوى في المؤسسات الأممية والدولية، والمساهمة في صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب يحترم مصالح القارة.
وأكد إعلان موسكو والذى صدر في ختام أعمال القمة على اتفاق روسيا والدول الأفريقية على دعم إصلاح منظمة التجارة العالمية بهدف إنشاء نظام تجارى متعدد الأطراف مفتوح وشفاف وغير تمييزي وقائم على القواعد، مع الحفاظ على الدور المحوري للمنظمة، فضلا عن ضرورة مواصلة التعاون الوثيق بهدف حل النزاعات في أفريقيا ومنعها، استنادا إلى المبدأ الأساسي «حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية»، بالإضافة إلى تطوير التعاون لضمان السلامة الصحية والوبائية لسكان الدول الأفريقية، والإسهام في تعزيز جاهزيتها لمكافحة الأوبئة والجوائح، والتصدي لمحاولات إعادة كتابة التاريخ أو تزويره، كما تعهد الإعلان بتنسيق المواقف في مجلس الأمن بهدف تخفيف العقوبات المفروضة على دول أفريقية، فضلاً عن دعوته لاستكمال إنهاء الاستعمار في أفريقيا، وإنشاء آليات قانونية لتقييم الأضرار التي لحقت بالدول الأفريقية خلال الحقبة الاستعمارية والتعويض عنها.
واستند في ذلك إلى نتائج مؤتمر رفيع المستوى عقد في العاصمة الغانية أكرا خلال الفترة من [ ١٧- ١٩ يونيو ٢٠٢٦ ] حول تجارة الرقيق عبر الأطلسي، كما تعهد الطرفان بالعمل على إنشاء آلية حوار روسية أفريقية دائمة على أعلى مستوى، ضمن منتدى الشراكة، لتنسيق جهود مكافحة الإرهاب والتطرف ومعالجة قضايا الأمن الغذائي والمعلوماتي، علاوة على الترحيب بمبادرة الإتحاد الأفريقي «إسكات البنادق» بحلول ٢٠٣٠، ونص كذلك على تعزيز التعاون في التصدي لاستخدام الجماعات الإرهابية للطائرات المسيرة والمنصات المشفرة والأموال الرقمية، وطالب الإعلان بإصلاح شامل لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبتوسيع تمثيل الدول الأفريقية في قيادتهما، ودعا أيضا إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية مع الحفاظ على مبدأ اتخاذ القرار بالتوافق، والاتفاق على توحيد الجهود لتعزيز دور القانون الدولي، وتعزيز التعاون في القطاع المالي، بهدف ضمان آليات موثوقة ومستدامة للمدفوعات والتسويات، فضلا عن مواصلة تعزيز التعاون القائم على المساواة والمنفعة المتبادلة بين روسيا وأفريقيا في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وأشار الإعلان المشترك، إلى ضرورة «التصدي لمحاولات تسييس التعاون القانوني الدولي في المسائل الجنائية، وإساءة استخدام آليات العدالة الجنائية الدولية، بما في ذلك توظيفها لممارسة ضغوط استعمارية جديدة على الدول الأفريقية، فضلاً عن أي محاولات لتسييس المؤسسات القضائية الدولية واستخدامها لممارسة ضغوط سياسية على الدول في ظل عالم متعدد الأقطاب، وتضمنت خطة العمل أن روسيا وأفريقيا ستدعمان تدابير بناء قدرات الجهات المعنية بمكافحة الإرهاب والأنشطة البحرية غير القانونية.
وختاماً فإن الاختبار الأهم يتمثل في الانتقال من التعهدات والاتفاقيات العامة إلى استثمارات منفذة وشراكات صناعية وتقنية مستدامة؛ وهو ما يجعل نجاح القمة مرهوناً ليس بعدد الاتفاقيات المعلنة فحسب، بل بقدرتها على توفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلى والقيمة المضافة داخل الدول الأفريقية.



