مقالات

«تشريح الشخصيات الحزبية»

بقلم/ رامي زهدي
سياسي مصري
نائب رئيس حزب الوعي

الفرق الحقيقي دائما في الإنسان.
ولهذا، فإن الحديث عن إصلاح الأحزاب يجب أن يبدأ من السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه: من هو الإنسان الذي يعمل داخل الحزب؟ وكيف يفكر؟ وما الذي يدفعه إلى الانضمام؟ وما الذي يجعله ينجح أو يفشل داخل المؤسسة السياسية؟

قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل نقطة البداية لأي مشروع جاد لإعادة بناء الحياة الحزبية المصرية، فالحزب ليس مبنى، ولا لائحة، ولا اجتماعات، ولا بيانات صحفية، الحزب في جوهره مجموعة من البشر تجمعهم فكرة، وتنظمهم مؤسسة، وتوجههم أهداف مشتركة، فإذا اختلت جودة البشر، ضعفت المؤسسة مهما بلغت جودة اللوائح.

ومن خلال أكثر من خمسة عشر عاما من العمل السياسي والحزبي وقبل ذلك مثل هذه الة تقريبا من اعمال اخري، وبين الاجتماعات والانتخابات واللجان والفعاليات والنقاشات اليومية، تتكون خبرة قد لا توفرها الكتب وحدها، وهي أن الأحزاب لا تعاني فقط من نقص الكفاءات، وإنما تعاني أحيانا من سوء فهم معنى العمل الحزبي نفسه.

فالسياسة ليست مهنة للباحثين عن التقدير، ولا ملاذا للهاربين من الفراغ، ولا منصة للراغبين في الألقاب، وإنما مسؤولية ثقيلة، تقوم على الانضباط والتضحية والعمل الجماعي والقدرة على تأجيل المكاسب الشخصية من أجل تحقيق هدف أكبر.

وإذا تأملنا واقع عدد من الأحزاب المصرية، سنجد أن المشكلات التنظيمية الكبرى تبدأ غالبا من أنماط بشرية متكررة، تتشابه في السلوك وإن اختلفت الأسماء، وتتكرر في أحزاب مختلفة رغم اختلاف توجهاتها الفكرية، ليست المشكلة في الأشخاص بأعيانهم، وإنما في الأنماط التي يمثلونها، وهي أنماط إذا لم تنتبه إليها المؤسسات، تحولت بمرور الوقت إلى ثقافة عامة تلتهم أي محاولة للإصلاح.

أول هذه الأنماط هو “المناضل الحقيقي”، وهو أقلها ضجيجا وأكثرها أثرا، لا يطلب موقعا، ولا يسأل عن امتياز، ولا يقيس قيمته بعدد الصور أو مرات ذكر اسمه، حضوره يرتبط بالعمل، وغيابه لا يكون إلا لعذر، يختلف باحترام، وينتقد بهدف الإصلاح، ويتحمل المسؤولية قبل أن يطالب بالصلاحيات، هذا النموذج هو العمود الفقري لأي حزب، لكنه للأسف لا يحظى دائما بالاهتمام الذي يستحقه، لأن ثقافة الضجيج كثيرا ما تطغى على ثقافة الإنجاز.

ويقابله نمط آخر يمكن وصفه بـ”الباحث عن اللقب”. هذا الشخص لا ينشغل كثيرا بما سيقدمه، وإنما بما سيحصل عليه، يسأل عن المسمى قبل السؤال عن المهمة، ويهتم بمكانه في الهيكل أكثر من اهتمامه بدوره في المشروع، وإذا تأخر حصوله على منصب، اعتبر نفسه مظلوما، حتى وإن لم يقدم ما يؤهله لذلك، والمشكلة أن هذا النمط لا يدرك أن المناصب في العمل الحزبي ليست جوائز، وإنما أعباء ومسؤوليات ومحاسبة.

وهناك أيضا “صاحب الاستحقاق الوهمي”، وهو من أخطر الأنماط على أي مؤسسة، يعيش مقتنعا بأنه يستحق أكثر مما حصل عليه، ليس لأن أداءه يبرر ذلك، وإنما لأنه كوّن صورة ذهنية مبالغا فيها عن نفسه، فإذا كلف غيره بمهمة، شعر بالإهانة، وإذا تمت ترقية زميل له، رأى في ذلك ظلما شخصيا، وإذا طلب منه بذل جهد إضافي، تعامل مع الأمر وكأنه تفضل على الحزب، لا واجب تجاهه، وهذه الشخصية تستنزف المؤسسات لأنها تستهلك وقتا طويلا في إدارة مشاعرها، بينما تقدم إنتاجا محدودا.

ثم يأتي “نجم الصورة”، وهو نموذج أصبح مألوفا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يحرص على أن يكون في الصف الأول أمام الكاميرا، لكنه كثيرا ما يكون في الصف الأخير عند توزيع المهام، يعرف مواعيد التصوير أكثر مما يعرف مواعيد الاجتماعات الفنية، ويهتم بشكل البيان أكثر من مضمونه، ويعتبر الظهور إنجازا في حد ذاته، ومع مرور الوقت، تتحول السياسة لديه إلى إدارة للصورة الذهنية، لا إلى صناعة للأثر الحقيقي.

ولا يقل عنه خطورة “الناقد الدائم”، وهو شخص يمتلك قدرة كبيرة على اكتشاف الأخطاء، لكنه يفتقر إلى الرغبة في إصلاحها، لديه تعليق على كل قرار، وتحفظ على كل فكرة، وملاحظة على كل فعالية، لكنه حين يطلب منه تقديم بديل عملي، يختفي أو يعتذر، والنقد في ذاته ضرورة لأي مؤسسة، لكن النقد الذي لا يتحول إلى اقتراح أو مشاركة، يصبح عبئا لا قيمة مضافة.

وهناك أيضا “المتفرج التنظيمي”. يحضر معظم الاجتماعات، ويتابع كل التفاصيل، ويعرف أخبار الجميع، لكنه لا يترك أثرا في أي ملف، يفضل المشاهدة على المشاركة، والتعليق على التنفيذ، وإبداء الرأي دون تحمل المسؤولية، وهذا النمط قد يبدو هادئا، لكنه يسهم في ترسيخ ثقافة السلبية داخل المؤسسة.

ومن أكثر الشخصيات تعقيدا “المتسلق السياسي”. لا ينتمي إلى فكرة بقدر انتمائه إلى موازين القوى، يغير مواقفه بتغير الأشخاص، ويقترب ممن يعتقد أنهم يملكون النفوذ، ويبتعد إذا شعر بتراجعهم، ولاؤه ليس للمشروع، وإنما للمصلحة، وهذه الشخصية قد تحقق مكاسب مؤقتة لنفسها، لكنها تضعف ثقة الآخرين في المؤسسة كلها، لأن الجميع يدرك أنها لا تتحرك وفق المبادئ، وإنما وفق الحسابات الشخصية.

وفي المقابل، هناك “القائد الحقيقي”، وهو ليس بالضرورة صاحب أعلى منصب، فالقائد يقاس بتأثيره لا بمسماه، يصنع من حوله قيادات جديدة، ولا يخشى بروز الكفاءات، ينسب النجاح للفريق، ويتحمل مسؤولية الإخفاق، ويؤمن أن المؤسسة يجب أن تصبح أقوى بوجوده، وقادرة على الاستمرار بعد رحيله، هذه الشخصية هي التي تضمن استدامة الأحزاب، لأنها تبني الإنسان قبل أن تبني الهياكل.

والملاحظة المهمة أن هذه الأنماط لا توجد في حزب دون آخر، ولا في تيار دون غيره، بل تكاد تكون جزءا من الطبيعة الإنسانية، لكن الفرق بين الأحزاب الناجحة والأحزاب الضعيفة أن الأولى تمتلك لوائح وثقافة تنظيمية تقلل من تأثير الأنماط السلبية، بينما تسمح للأنماط الإيجابية بالنمو والقيادة.

فالمؤسسة القوية لا تراهن على حسن النوايا، وإنما على وضوح القواعد، ولا تعتمد على الأشخاص الاستثنائيين، وإنما على نظام يجعل الأداء هو معيار التقدم، والإنجاز هو الطريق إلى المسؤولية، والالتزام هو أساس الثقة.

وهنا نصل إلى قضية شديدة الأهمية، وهي أن بعض الأحزاب تقع في خطأ قاتل حين تحاول إرضاء الجميع، والحقيقة أن المؤسسة التي ترضي الجميع، تعجز غالبا عن تحقيق أي إنجاز، فالحياة الحزبية بطبيعتها تقوم على الاختيار، والتقييم، والمحاسبة، وإسناد المسؤوليات إلى الأكثر قدرة، لا إلى الأكثر مطالبة بها.

إن الحزب الذي يخشى مصارحة أعضائه، أو يتردد في تقييم الأداء، أو يساوي بين المجتهد والمقصر، يزرع بذور ضعفه بيديه. لأن الرسالة التي تصل إلى الجميع عندئذ هي أن الجهد لا يصنع فارقا، وأن الالتزام لا يمنح ميزة، وأن الإنجاز ليس شرطا للتقدم.

ومن هنا يبدأ الانحدار البطيء لأي مؤسسة سياسية.

ولهذا، فإنني أعتقد أن مستقبل الأحزاب المصرية لن يتحدد فقط بتعديل القوانين، أو زيادة الموارد، أو اتساع المجال العام، رغم أهمية كل ذلك، وإنما سيتحدد قبل أي شيء بقدرتها على إعادة تعريف الشخصية الحزبية التي تبحث عنها، وبشجاعتها في ترسيخ ثقافة تجعل قيمة الإنسان فيما يقدم، لا فيما يدعي، وفي أثره، لا في حضوره، وفي التزامه، لا في صوته المرتفع.

فالسياسة ليست مسرحا للبطولات الفردية، وإنما مدرسة للعمل الجماعي، والحزب ليس مكانا لاختبار حجم الذات، وإنما مساحة لاختبار حجم العطاء.

وكل حزب ينجح في اكتشاف المناضلين الحقيقيين، ومنحهم الفرصة، وحماية المؤسسة من ثقافة الألقاب والاستحقاق الوهمي والنجومية الزائفة، يكون قد قطع نصف الطريق نحو النجاح، حتى قبل أن يحقق أول انتصار انتخابي.

وفي النهاية، تبقى القاعدة التي تعلمتها من سنوات العمل السياسي أكثر من أي كتاب قرأته: إن الأحزاب لا تنهار يوم تفتقر إلى المال، ولا يوم تواجه أزمة سياسية، وإنما تبدأ في الانهيار يوم تتراجع قيمة العمل، وترتفع قيمة الادعاء، ويصبح الانتماء للحزب وسيلة للحصول على المكانة، لا وسيلة لخدمة الفكرة.

وعندما تنتصر الفكرة على الأشخاص، وتنتصر المؤسسة على الأفراد، وينتصر العمل على الضجيج… عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نبني حياة حزبية تستحق مستقبل مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى