مقالات

من توصيات منتدى مصر 2026 إلى التنفيذ.. تكاتف مؤسسات الدولة مسؤولية وطنية لصناعة المستقبل

بقلم: الإعلامية والروائية / بسنت عثمان

لم يكن منتدى مصر 2026 مجرد مساحة للحوار أو مناسبة لاستعراض ما تحقق من إنجازات، بقدر ما كان فرصة لفتح نقاش وطني واسع حول أولويات المرحلة المقبلة، والتحديات التي تواجه المجتمع المصري، والسبل الكفيلة بتحويل الرؤى والأفكار إلى سياسات عملية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

ولعل الرسالة الأهم التي خرج بها المنتدى، هي أن الحوار لا تكتمل قيمته بمجرد طرح الأفكار والاستماع إلى الآراء، وإنما بما ينتج عنه من قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ، وهو ما أكده السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته خلال الجلسة الختامية، حين شدد على أهمية دراسة المقترحات والتوصيات والعمل على تحويل ما يثبت جدواه منها إلى سياسات وبرامج وخطوات تنفيذية.

ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية، مسؤولية مؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها، في العمل بروح الفريق الواحد، وتنسيق الجهود، وتكامل الأدوار، حتى لا تبقى مخرجات المنتدى حبيسة الأوراق أو محاضر الاجتماعات، بل تتحول إلى برنامج عمل واضح، له أولويات محددة وجداول زمنية وآليات متابعة وتقييم.

إن التوصيات التي شهدها المنتدى تمس قطاعات شديدة الارتباط بحياة المواطنين، بداية من تحسين مستويات الدخول وتخفيف الأعباء المعيشية، مرورًا بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وصولًا إلى دعم الصناعة والاستثمار، وتمكين الشباب، وتطوير الخدمات، وتحسين جودة الحياة في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.

وهذه الملفات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مسؤولية وزارة بعينها، بل تتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الوزارات والهيئات والمحافظات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي تقديري، فإن أحد أهم الملفات التي تستحق اهتمامًا خاصًا في مرحلة ما بعد المنتدى هو ملف المجتمع المدني والعمل الأهلي. فمصر تمتلك قاعدة واسعة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية، يصل عددها إلى نحو 36 ألف جمعية، تمثل طاقة مجتمعية كبيرة، وخبرة متراكمة في الوصول إلى الفئات الأولى بالرعاية، والتعامل مع احتياجات المواطنين في القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجًا.

ومن ثم، فإن تفعيل الشراكة بين مؤسسات الدولة وهذه الكيانات لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات التنموية. فالجمعيات الأهلية ليست مجرد جهة لتقديم المساعدات، وإنما شريك في التنمية، وقناة للتواصل مع المواطنين، ووسيلة لرصد الاحتياجات الحقيقية على الأرض، والمساهمة في تنفيذ المبادرات والبرامج التي تستهدف تحسين جودة الحياة.

وهنا تبرز أهمية أن تتسع مرحلة التنفيذ لتشمل بناء آليات واضحة للتعاون بين الجهات الحكومية والمؤسسات الأهلية، وتيسير الإجراءات أمام الجمعيات الجادة، ورفع كفاءتها المؤسسية، وتطوير قدراتها في إدارة المشروعات وقياس الأثر، مع ضمان الشفافية والحوكمة وحسن توجيه الموارد إلى مستحقيها.

كما أن التنسيق بين مؤسسات الدولة لا ينبغي أن يقتصر على تبادل التكليفات، بل يجب أن يمتد إلى توحيد قواعد البيانات، وتحديد المسؤوليات، ومنع ازدواجية الجهود، وربط كل توصية بمؤشر أداء واضح يمكن من خلاله قياس ما تحقق على أرض الواقع. فالمواطن لا ينتظر إعلانًا جديدًا بقدر ما ينتظر خدمة أفضل، ومدرسة أكثر كفاءة، ورعاية صحية متاحة، وفرصة عمل كريمة، وحياة أكثر استقرارًا.

ومن المهم كذلك أن يستمر منتدى مصر بصورة دورية، كما أعلن السيد الرئيس، وأن تتحول جلساته المقبلة إلى مساحة لمراجعة ما تم تنفيذه، ومناقشة ما تعثر، والاستماع إلى المواطنين والخبراء وممثلي القطاعات المختلفة، بما يعزز ثقافة المشاركة والمساءلة المجتمعية.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إرادة مؤسسية مشتركة، وإلى إيمان حقيقي بأن بناء المستقبل مسؤولية لا تنفرد بها جهة واحدة. فالرؤية تضع الاتجاه، والتنسيق يوفر القدرة على الحركة، والتنفيذ الجاد هو الذي يصنع الفارق.

وفي النهاية، فإن نجاح منتدى مصر 2026 لن تقيسه أعداد الجلسات أو المشاركين، وإنما ما سيتركه من أثر ملموس في حياة المصريين. وبين التوصية والتنفيذ مسافة لا تقطعها إلا مؤسسات متعاونة، وشراكات جادة، وعمل مستمر يضع مصلحة الوطن والمواطن في المقدمة.

فمصر لا تحتاج فقط إلى أن نتفق على ما نريد تحقيقه، بل تحتاج إلى أن نتكاتف جميعًا من أجل تحقيقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى