
لا شك أن خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في الأكاديمية العسكرية منذ أيام يُعد من أهم خطبه على الإطلاق، ولأن التواصل الاجتماعي هو منصة للآراء، ويكاد يكون بديلًا افتراضيًا عن الإعلام، وبوقًا موازيًا للمؤسسات النيابية، فإن من حقي كمواطن أن أُبدي رأيًا، أيًّا كانت قيمته.
أولًا: شمل الخطاب، دون زيف أو مجاملة، إظهار عظمة وطنية من الرئيس، سواء من خلال إعلانه المسبق عن تسليم السلطة في نهاية فترته الرئاسية، أو اعتزازه بدور القوات المسلحة العظيمة دائمًا، أو تقديره الوفي لدور دول الخليج.
ثانيًا: إن قراره بتسليم السلطة يعبر عن شفافية وطنية خالصة لم تحدث في مصر أبدًا بهذه السلاسة منذ عهد أحمس وحتى الآن، حتى وإن كان مبارك قد فعلها بتخليه عن السلطة، فقد كان ذلك تحت ضغوط سياسية صاحبت تلك المرحلة.
ثالثًا: إن فكرة صناعة رئيس، مع احترامي البالغ لفكرة الرئيس النابعة من إدراك وطني خالص بأهميتها، غير مطابقة لواقع الأمم وتاريخها. فهذه الفكرة قد تصلح لإعداد مديرين في الحكومة، وقد تصل، في أقصى أمانيها، إلى صناعة نائب وزير. أما الرئيس أو الزعيم أو الأمير، فلا تصنعه، مع احترامي الكامل، لا نجوم الكتف ولا حملة الشهادات العلمية شديدة التخصص.
وتنتهي هذه الصناعة دائمًا إما إلى الديكتاتورية، وقد زالت تلك الفكرة منذ زمن بعيد، وإما إلى الديمقراطية التي جاءت بالرئيس السيسي في مظاهرات 30 يونيو، وما كان لها أن تنجح إلا بالإصرار عليها.
رابعًا: إن صناعة الرئيس، حتى في الدول المتقدمة، تتولاها إما الأحزاب السياسية الراسخة، كما في بريطانيا مثلًا، وإما سطوة أحزاب الدولة العميقة المترسخة بفعل سطوة المال، كما في أمريكا. وبالتالي، فإن صوت الشعب في الدول الفقيرة يكون مجروحًا أصلًا بلقمة العيش، ويكون صندوقه الانتخابي مريضًا بآفات الضمير.
ثم أين مسامعه دون أبواق؟ وأين قياسات رأيه دون علم؟ وأين رؤيته؟
لنفترض أنك أعددت عناصر عظيمة ليكون من بينها الزعيم، فماذا يعلم المواطن عنه؟ وكيف؟ وما برنامجه؟ ومن سيصرف عليه؟
لقد كنا، قبل يناير المشؤومة، نتوقع ما حدث تمامًا، وكنا نعلم أن جماعة الإخوان المسلمين هي التنظيم السياسي الوحيد القادر على الحشد.
ومن هنا لا بد أن تكون هناك أحزاب تصرف عليها الدولة، وليست كأحزاب «مستقبل وطن» أو «الجبهة الوطنية».
لا بد أن يتعود النظام أولًا على تقبّل المعارضة السياسية.
ولا بد أن يتذوق الشعب السياسة.
ولا بد، في النهاية، أن يكون الشعب هو السيد.
وللحديث بقية.


