هروب اللاعبين المصريين من البعثات الرياضية: بين الانضباط وإدارة الموهبة والاحتراف والاستقطاب

بقلم/ الدكتور يوسف ورداني
رئيس مجلس أمناء مؤسسة قدرات مصر للشباب والتنمية
رئيس مجلس إدارة مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات
مساعد وزيري الشباب والرياضة السابق
تثير وقائع هروب لاعبين مصريين من بعثات رياضية خارج البلاد خلال الفترة الأخيرة تساؤلات تتجاوز كل واقعة منفردة؛ كان أحدثها هروب لاعب منتخب مصر للمصارعة محمد مصطفى علي الشامي خلال ترانزيت البعثة في إيطاليا، بعد ساعات من واقعة هروب لاعب منتخب الشباب للمصارعة زياد حجاج، 19 عامًا، من مقر إقامة البعثة في سلوفاكيا عقب انتهاء بطولة العالم، فضلًا عن وقائع أخرى سابقة.
ولا تحمل هذه الحالات بالضرورة الدافع نفسه؛ فقد يرتبط الرحيل بالعمل وتحسين الدخل وتأمين المستقبل، أو البحث عن فرصة رياضية ومهنية أفضل، أو ظروف شخصية وأسرية، أو مشكلات في الرعاية والمنظومة الرياضية. وقد تتحول بعض الحالات إلى احتراف خارجي، أو استقطاب رياضي، وقد يصل بعضها لاحقًا إلى تغيير التمثيل الرياضي أو التجنيس.
ولا تكفي الوقائع المتاحة وحدها للقول بوجود موجة واسعة، لكنها تكفي لطرح سؤال يستحق التدخل: هل نتعامل مع كل واقعة باعتبارها مخالفة انضباطية منفصلة، أم باعتبارها مؤشرًا محتملًا على تحدٍ أوسع يتعلق بإدارة دورة حياة اللاعب والاحتفاظ بالموهبة؟
أما التقدير في رأيي أن اللاعب الموهوب يمثل استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري والرياضي، لكن الإنجاز الرياضي لا يضمن بالضرورة مستقبلًا اقتصاديًا ومهنيًا مستقرًا، خصوصًا في بعض الألعاب الفردية.
ومع انتقال اللاعب من مرحلة الناشئين إلى الاستقلال الشخصي، تصبح أسئلة الدخل والسكن والإصابة والتعليم والعمل وما بعد الاعتزال جزءًا من حساباته. وهنا تظهر أهمية مفهوم «العائد المتوقع من المسار الرياضي»؛ فكلما اتسعت الفجوة بين تكلفة الاستمرار في الرياضة والعائد المتوقع منها، زادت جاذبية البدائل الخارجية.
وبناءً على ذلك، يمكن التمييز بين دوافع الرحيل: اقتصادية ومعيشية، رياضية ومهنية، وشخصية أو مرتبطة بالمنظومة؛ وبين مسارات ما بعد الرحيل: الاحتراف، والاستقطاب، وقد ينتهي بعضها إلى تغيير التمثيل الرياضي أو التجنيس، فليس كل هروب يعتبر احترافًا، وليس كل احتراف يمكن تسميته استقطابًا، وليس كل استقطاب يكون تجنيسًا.
وتتمثل المخاطر في فقدان الاستثمار الرياضي في الموهبة، وتحول الحاجة الاقتصادية إلى دافع للرحيل، وزيادة قابلية اللاعب للاستقطاب، ثم احتمال فقدانه للتمثيل الوطني.
وفي المقابل، فإن منع الاحتراف الخارجي ليس حلًا؛ فالاحتراف المنظم يمكن أن يرفع مستوى اللاعب ويخدم المنتخب. المشكلة هي الاحتراف غير المنظم الذي قد يتحول إلى فقدان تدريجي للعلاقة بين اللاعب ومنظومته الوطنية.
أما عن السيناريوهات المحتملة
الأول – الاحتواء: تنجح المنظومة الرياضية الحالية في معالجة أسباب الرحيل واستعادة ثقة اللاعب واستمراره مع المنتخب.
الثاني – الاحتراف المنظم: ينتقل اللاعب إلى الخارج لتحسين مستواه أو دخله، مع استمرار علاقته بالمنتخب وفق إطار واضح.
الثالث – الاستقطاب: يتحول العرض الخارجي من فرصة احتراف إلى محاولة للاحتفاظ باللاعب وجذبه إلى منظومة رياضية أخرى.
الرابع – فقدان الموهبة: يخرج اللاعب للعمل أو الإقامة وينقطع تدريجيًا عن الرياضة المصرية، وقد يتطور المسار في بعض الحالات إلى تغيير التمثيل الرياضي أو التجنيس.
وفيما يخص السياسات المقترحة وفي ضوء ذلك العرض يمكن التفرقة بين السياسات المقترحة وفقا للخطوات والإجراءات المطلوب تنفيذها، والمدى الزمني اللازم لذلك.
أولًا: إجراءات عاجلة – خلال 3 أشهر
١- قياس الظاهرة وإنشاء نظام إنذار مبكر، وفيه تبدأ وزارة الشباب والرياضة، بالتنسيق مع اللجنة الأولمبية والاتحادات، بحصر حالات هروب أو انقطاع اللاعبين خلال السنوات الأخيرة وتحليل دوافعها، مع تطوير قاعدة بيانات لمسار لاعبي المنتخبات تشمل المستوى الرياضي، والإصابات، والمستحقات، وفرص التطور، والعروض الخارجية. ولا يستلزم ذلك إنشاء جهاز جديد، وإنما تطوير وظيفة قائمة لإدارة مخاطر المواهب داخل قطاع الرياضة بالوزارة، ووضع مؤشرات واضحة للحالات التي تستدعي التدخل قبل تحول الرغبة في الرحيل إلى قرار نهائي.
٢- إحكام إدارة البعثات ومساءلة المسؤولين عبر اعتماد وتفعيل بروتوكول موحد لإدارة البعثات يحدد بوضوح مسؤوليات رؤساء البعثات والأجهزة الفنية والإدارية منذ المغادرة وحتى العودة، بما في ذلك الإقامة والتنقل والترانزيت وحيازة الوثائق والمتابعة، مع تحديد مستويات المسؤولية والمساءلة عند وقوع أي تقصير، مع التأكيد على أن مسؤولية الإدارة عن تأمين البعثة لا تلغي المسؤولية الفردية للاعب عن قراره.
ثانيًا: إجراءات قصيرة الأجل – خلال 6 إلى 12 شهرًا
١- إطلاق منظومة الأمان الاقتصادي والمهني للاعب من خلال إعادة تصميم منظومة رعاية لاعبي المنتخبات بحيث لا تقتصر على المكافآت المرتبطة بالإنجاز، وإنما تشمل التأمين ضد الإصابة، والرعاية الصحية والنفسية، والدعم التعليمي، والإسكان، والتأهيل المهني، والتخطيط المالي وما بعد الاعتزال. وبالتوازي، توسيع الرعاية التجارية والتسويق والحقوق الإعلامية، خصوصًا في الألعاب الفردية، بما يرفع العائد المتوقع من استمرار اللاعب في مساره الرياضي ويقلل دوافع البحث عن بدائل اقتصادية خارجية.
٢- وضع مسار مؤسسي واضح للاحتراف الخارجي يتضمن مراجعة العقود، وتنظيم عمل الوسطاء، والاستشارات القانونية والمالية، وضمان استمرار علاقة اللاعب بالمنتخب وفق القواعد المعمول بها. ويُفضل إنشاء وظيفة متخصصة لحقوق اللاعب داخل الاتحادات الكبرى بدل استحداث كيانات جديدة، تتولى التعامل مع المستحقات والعقود والإصابات والعروض الخارجية والشكاوى.
٣- إدارة الاستقطاب الرياضي من خلال وضع آلية للتدخل المبكر عندما يتلقى لاعب عرضًا خارجيًا أو تظهر مؤشرات على رغبته في الرحيل، تبدأ بالحوار مع اللاعب لفهم الدافع الحقيقي وتقديم البدائل الممكنة. وفي الحالات التي تتجاوز الاحتراف إلى الاستقطاب، تتولى وزارة الشباب والرياضة بالتنسيق مع الاتحادات ووزارة الخارجية إدارة التواصل مع اللاعب، والاستفادة من السفارات المصرية في الخارج، بما يحافظ على صلته بالمنتخب دون تحويل الدولة إلى طرف في منع حركة اللاعب المشروعة.
ثالثًا: سياسات متوسطة الأجل – من سنة إلى ثلاث سنوات
١- اعتماد «المسار المزدوج» للرياضي من خلال تطوير نموذج مؤسسي يتيح للاعب الجمع بين التدريب الرياضي والتعليم أو التدريب المهني والعمل، بالتعاون مع الجامعات ومؤسسات التدريب والشركات، بحيث لا يصبح الاعتزال أو الإصابة نهاية للمستقبل الاقتصادي. وتستفيد مصر هنا من الخبرات الدولية في مفهوم Dual Career ورفاه الرياضي والانتقال المهني، مع تكييفها وفق احتياجات الرياضات المصرية.
٢- وضع استراتيجية لزيادة الموارد المستدامة للألعاب الفردية والأقل جماهيرية من خلال الرعاية، والتسويق، والحقوق الإعلامية، والشراكات مع القطاع الخاص، وربط جزء من هذه الموارد مباشرة بتطوير مسار اللاعب وتأمين مستقبله. فمعالجة الهروب لا يمكن أن تنجح إذا ظلت بعض الرياضات تعتمد على التمويل الحكومي والمكافآت الموسمية فقط.
رابعًا: سياسة مستمرة وطويلة الأجل
١- إدارة دورة حياة اللاعب المصري: الانتقال تدريجيًا من نموذج يركز على إعداد اللاعب للبطولة إلى نموذج يدير دورة حياته كاملة: اكتشاف الموهبة، والتطوير، والمنتخب، والأمان الاقتصادي، والاحتراف، والإصابة، والانتقال المهني، وما بعد الاعتزال. ويتيح هذا النموذج التعامل مع اللاعب باعتباره أصلًا بشريًا ورياضيًا طويل الأجل، وليس مجرد عنصر في بعثة أو صاحب ميدالية.
٢- إدارة التمثيل الرياضي والتجنيس: ينبغي التعامل مع تغيير التمثيل الرياضي أو التجنيس باعتباره مرحلة محتملة في بعض حالات الاستقطاب، وليس تفسيرًا لكل حالات الهروب. وتُدار هذه الحالات وفق القواعد الوطنية واللوائح الدولية، مع احترام حق اللاعب في اتخاذ قراراته، والعمل في الوقت نفسه على تقليل الأسباب التي تدفعه إلى الانتقال من خلال منظومة أكثر قدرة على توفير الأمان والتطور والفرص.
ان جوهر ما تقدم يشير الي أن ضرورة التعامل مع الوقائع الأخيرة باعتبارها ملفًا لإدارة الموهبة والاحتراف إلى جانب كونه ملفًا للانضباط الرياضي، مع البدء فورًا في قياس حجم الظاهرة وأسبابها، وتحديد اللاعبين الأكثر عرضة للرحيل، ووضع تدخلات اقتصادية ومهنية مبكرة قبل تحول الرغبة في الرحيل إلى قرار نهائي.



