المنظمات الدولية

الوكالة الفرنسية للتنمية: الرعي في القرن الأفريقي وسيلة لحماية الأراضي وتعزيز الأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي

الجسر – خاص

أكدت الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) أهمية الرعي وتربية الماشية في منطقة القرن الأفريقي، باعتبارهما ليسا فقط مصدرًا رئيسيًا للرزق والغذاء، وإنما أداة للمحافظة على النظم البيئية ومكافحة التصحر وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة.

جاء ذلك في تقرير نشرته الوكالة في أغسطس الجاري 2026، بالتزامن مع الاستعدادات لمؤتمر الأطراف السابع عشر لمكافحة التصحر، حيث جددت الوكالة التزامها بدعم الرعي في شرق أفريقيا، في وقت أعلنت فيه الأمم المتحدة أن عام 2026 هو السنة الدولية للمراعي والرعاة، بهدف تعزيز الاعتراف بمجتمعات الرعاة ودعم حصولهم الآمن على الأراضي وحرية التنقل والوصول إلى الأسواق.

وأوضحت الوكالة أن الرعي، باعتباره نظامًا واسع النطاق لتربية الماشية يعتمد على تنقل القطعان والاستفادة من المراعي الطبيعية، يمثل أحد المحركات الرئيسية للمرونة الاجتماعية والاقتصادية في المناطق القاحلة بكل من كينيا وإثيوبيا والصومال، حيث يوفر سبل العيش لنحو 20 مليون شخص، ويساهم في المتوسط بنحو 57% من الناتج المحلي الزراعي للمنطقة.

وفي كينيا وحدها، يسهم الرعي بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يمثل في الصومال المصدر الرئيسي للدخل لنحو 60% من سكان المناطق الريفية.

ولا تقتصر أهمية الرعي على توفير الغذاء والدخل، إذ تشير الوكالة الفرنسية للتنمية إلى أن معارف مجتمعات الرعاة التقليدية تسهم في حماية النظم البيئية والتنوع البيولوجي، فضلًا عن دعم جهود مكافحة التصحر وتعزيز السيادة الغذائية.

وتوضح الوكالة أن تنقل القطعان بين مناطق الرعي يساعد على الحفاظ على الغطاء النباتي، من خلال الحد من الرعي الجائر المستمر وإتاحة الفرصة للنباتات المحلية للتجدد بصورة طبيعية.

كما يسهم الدوس المعتدل للماشية في تحسين تسرب مياه الأمطار إلى التربة، من خلال تفكيك الطبقة السطحية الجافة، فضلًا عن قيام الحيوانات بدور طبيعي في نقل بذور النباتات المحلية ونشرها عبر مناطق الرعي.

ويساعد الرعي المنتظم كذلك على الحد من مخاطر حرائق الغابات والمراعي، من خلال تقليل تراكم الكتلة النباتية الجافة شديدة القابلية للاشتعال، وهو ما يساهم في حماية التربة من الأضرار الناتجة عن الحرائق.

ورغم هذه الأدوار، يواجه قطاع الرعي تحديات مزمنة، من بينها ضعف الاستثمارات، وتشتت الأسواق، وضعف الحوكمة، واستمرار أوجه عدم المساواة بين الجنسين.

وفي إطار مواجهة هذه التحديات، تدعم الوكالة الفرنسية للتنمية منذ أبريل 2025 برنامج الثروة الحيوانية الإقليمي Regional Livestock Program، الذي يتم تمويله بشكل مشترك مع الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، وتنفيذه بالتعاون مع عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية.

ويغطي البرنامج خمسة ممرات عابرة للحدود لتجارة وتنقل الماشية، من بينها ممرات توغ وجعالي بين إثيوبيا وأرض الصومال، وجالكعيو بين إثيوبيا والصومال، وواجير في كينيا.

ويركز البرنامج على ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في تعزيز إنتاج الثروة الحيوانية وقدرتها التنافسية، وربط الرعاة بالأسواق الوطنية والدولية، ومواءمة أطر السياسات الإقليمية المتعلقة بالرعي.

ويستهدف البرنامج دعم 37 ألفًا و500 مزرعة مستفيدة، فيما يُتوقع أن يستفيد منه بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر من 540 ألف شخص، مع تخصيص اهتمام خاص بالنساء اللاتي يمثلن نحو 30% من المستفيدين.

وتبرز الوكالة الدور الاقتصادي المهم للنساء في المجتمعات الرعوية، خاصة في مجال إنتاج وتسويق حليب الإبل، الذي يمثل مصدرًا أساسيًا للدخل بالنسبة إلى العديد من الأسر في منطقة القرن الأفريقي.

كما يولي البرنامج اهتمامًا خاصًا بـريادة الأعمال بين الشباب، في محاولة لجعل قطاع الرعي أكثر جاذبية واحترافية، وتحويله إلى مجال قادر على توفير فرص اقتصادية مستدامة في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة.

وفي هذا الإطار، يساهم مركز البحوث الزراعية الفرنسية للتنمية الدولية CIRAD في توفير الدراسات والأبحاث المتعلقة بحركة الماشية، وتأثيرات تغير المناخ، وصحة الحيوانات، ونماذج الأعمال، بما يعزز الأدلة العلمية على أن الرعي يمكن أن يمثل نظامًا إنتاجيًا مستدامًا وقادرًا على المنافسة، ومتوافقًا مع الظروف البيئية والاقتصادية للمنطقة.

ولا ينفصل دعم الرعي، وفق الوكالة الفرنسية للتنمية، عن قضية السلام والاستقرار في القرن الأفريقي، في ظل ارتباط مصادر رزق الرعاة بالمياه والمراعي ومسارات التنقل.

وتقدم الوكالة دعمها للبرنامج من خلال أداة Minka للسلام والقدرة على الصمود، انطلاقًا من العلاقة الوثيقة بين استقرار سبل عيش الرعاة والاستقرار الإقليمي.

وتستهدف هذه الجهود تحويل المنافسة على المياه والأراضي والمراعي بين الرعاة والمزارعين المستقرين إلى إدارة تعاونية للموارد الطبيعية، بما يساعد على الوقاية من النزاعات.

وتشمل الإجراءات المقترحة إنشاء منصات للحوار، وتطوير البنية التحتية الزراعية والرعوية المشتركة، وتأمين ممرات التنقل الموسمي للماشية، وتعزيز آليات الوساطة المحلية لمنع النزاعات وتسويتها عند وقوعها.

وتخلص الوكالة الفرنسية للتنمية إلى أن الاستثمار في الرعي لا يمثل مجرد دعم لقطاع اقتصادي تقليدي، وإنما يمكن أن يشكل أداة لحماية الأراضي والتنوع البيولوجي، وتعزيز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية، وخلق فرص اقتصادية، والحد من النزاعات، ودعم قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة تداعيات تغير المناخ في منطقة القرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى