المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة تستنكر أوضاع أطفال التراحيل الزراعية وتؤكد أن حماية أرواحهم إلتزام دستوري وقانوني ودولي

الجسر – خاص
أستنكرت المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة بأشد العبارات استمرار تعرض الأطفال في القرى والمناطق الريفية للخطر، نتيجة تشغيلهم أو نقلهم ضمن عمالة زراعية موسمية بوسائل نقل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الأمان والسلامة، بما أدى تكرار حالات سقوط أطفال ضحايا للحوادث والإصابات والوفاة.
وقالت المؤسسة في بيان لها إن تكرار هذه الوقائع، وظهور أطفال في أعمار تقل عن السن القانونية للعمل ضمن العمالة الزراعية المنقولة إلى أماكن العمل، لا يمكن اعتباره مجرد حوادث طرق منفصلة، وإنما يكشف عن خلل في منظومة حماية الطفل، وضعف في الرقابة على تشغيل الأطفال ونقل العمالة الزراعية، وقصور في التدخل الوقائي من جانب الجهات المختصة والمحافظات المعنية.
وأكدت المؤسسة أن حماية أطفال الريف لا تمثل عملاً من أعمال الرعاية الاجتماعية فحسب، وإنما هي التزام دستوري وقانوني ودولي على الدولة المصرية.
مشيرة إلى أنه من ناحية الالتزام الدستوري فالمادة 59 من دستور جمهورية مصر العربية تنص على أن: «الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها».
كما خصص الدستور المادة 80 لحماية الطفل، وأكد أن الدولة تلتزم برعايته وحمايته الطفل من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال، ونص صراحة على حظر تشغيل الطفل قبل تجاوز سن إتمام التعليم الأساسي، كما حظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر.
ولا يجوز أن تظل هذه النصوص مجرد ضمانات نظرية، بينما يتعرض أطفال في الريف لمخاطر يمكن توقعها ومنعها من خلال الرقابة والتنظيم وتوفير وسائل نقل آمنة.
وأثارت المؤسسة أن المادة 93 من الدستور تؤكد التزام الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر، وتقرر لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة.
أما من ناحية الالتزامات الواردة في اتفاقية حقوق الطفل قالت المؤسسة أن مصر تلتزم بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل بحماية الأطفال من المخاطر والاستغلال والإهمال.
حيث أن المادة 3 من الاتفاقية تجعل مصلحة الطفل الفضلى الاعتبار الأول في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال، وتلزم الدولة باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية الملائمة لضمان الحماية والرعاية اللازمة لرفاه الطفل.
كما تلزم المادة 19 الدول باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية لحماية الطفل من جميع أشكال العنف والضرر والإساءة والإهمال والاستغلال، بما يشمل الوقاية والإبلاغ والتحقيق والتدخل.
أما المادة 32 فتقر بحق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطراً أو يضر بصحته أو نموه أو يعوق تعليمه، وتلزم الدول بتحديد الحد الأدنى لسن العمل، وتنظيم ساعات العمل وظروفه، وفرض العقوبات والجزاءات اللازمة لضمان التنفيذ الفعال.
ومن ثم، فإن نقل طفل إلى موقع عمل زراعي في وسيلة نقل غير آمنة، أو تشغيله في ظروف تعرض سلامته للخطر، لا يمكن فصله عن الالتزام الدولي بحمايته من العمل الخطر والاستغلال الاقتصادي.
وفيما يخص الالتزام بموجب اتفاقيات منظمة العمل الدولية أكدت المؤسسة أن اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام تؤكد ضرورة وضع حد أدنى للسن للالتحاق بالعمل، وربطه بالتعليم الإلزامي، بينما تلزم الاتفاقية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال الدول باتخاذ تدابير فورية وفعالة ومحددة زمنيًا للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، ومن بينها الأعمال الخطرة التي تهدد صحة الطفل أو سلامته أو أخلاقه.
وقد صادقت مصر على الاتفاقيتين، وتؤكد منظمة العمل الدولية أن مصر رفعت الحد الأدنى العام للقبول في العمل إلى 15 سنة.
كما أن مفهوم العمل الخطر لا يقتصر على طبيعة المهنة ذاتها، وإنما يمكن أن تصبح ظروف أداء العمل هي مصدر الخطر، بما في ذلك العمل لساعات طويلة، وحمل الأحمال، والتعرض للآلات أو المواد الخطرة أو ظروف العمل التي تهدد السلامة والصحة.
أما عن قانون الطفل والتشريعات الوطنية قالت المؤسسة يحظر قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته 126 لسنة 2008 – م 65 – تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، وتوجد في مصر قواعد وقرارات تنفيذية تحدد الأعمال والمهن والصناعات المحظور تشغيل الأطفال فيها قبل سن الثامنة عشرة. كما يؤكد الإطار التشريعي المصري أن العمل الزراعي ليس مجالًا مستثنى من حماية الطفل.
والأهم أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، النافذ اعتبارا من سبتمبر 2025، وضع أحكامًا أكثر وضوحاً بشأن تشغيل وتدريب الأطفال؛ إذ يحظر تشغيل الطفل قبل بلوغ 15 سنة، ويسمح بالتدريب من سن 14 سنة فقط بشرط ألا يعوق ذلك مواصلة التعليم. كما يحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم البدنية أو النفسية أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، أو تعوقهم عن مواصلة التعليم، وكذلك في الأعمال التي تمثل صوراً من أسوأ أشكال عمل الأطفال وفقًا للاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر.
كما يحظر القانون تشغيل الطفل لأكثر من ست ساعات يوميًا ويضع ضوابط لفترات الراحة والعمل الليلي وأيام الراحة والعطلات. ( المواد من 64 الى 69 ق الطفل )
وأشارت المؤسسة في بيانها إن ظاهرة التراحيل الزراعية بما تتضمنه من تجميع ونقل أعداد كبيرة من العمال، وفي بعض الحالات الأطفال، من القرى إلى أماكن العمل الزراعي، تستوجب وجود منظومة واضحة للمسؤولية والرقابة.
ولا يجوز أن يؤدي كون العمل موسميًا أو غير رسمي إلى سقوط الحماية القانونية للأطفال.
كما لا يجوز أن تكون الحاجة الاقتصادية للأسر الريفية مبررًا لترك الأطفال عرضة للموت أو الإصابة أو الاستغلال.
وقالت المؤسسة أن الدولة مطالبة بالتدخل قبل وقوع الحادث، وليس فقط بعد وقوعه.
وعليه، طالبت المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة الدولة المصرية بضرورة فتح تحقيقات عاجلة وشاملة في جميع حوادث نقل العمالة الزراعية التي يكون الأطفال من بين ضحاياها، وتحديد المسؤوليات الجنائية والإدارية والمدنية لكل من يثبت تقصيره أو مخالفته للقانون.
وتحديد المسؤولية القانونية لكل طرف في منظومة التراحيل الزراعية، بما في ذلك المحافظين وصاحب العمل، والوسيط أو المتعهد، والمسؤول عن تجميع العمالة، والمسؤول عن النقل، وكل من يثبت علمه بوجود أطفال أو سماحه بتشغيلهم أو نقلهم في ظروف غير آمنة.
ووضع نظام وطني ملزم لتسجيل وتنظيم العمالة الزراعية الموسمية، بحيث لا يتم نقل أي عمالة إلى مواقع العمل الزراعي دون بيانات واضحة عن السن، وصاحب العمل، ومكان العمل، ووسيلة النقل، والمسؤول عن عملية النقل.
وحظر نقل الأطفال في سيارات أو مركبات غير مخصصة لنقل الأشخاص، وتشديد الرقابة على وسائل نقل العمالة الزراعية، والتأكد من استيفائها شروط الترخيص والسلامة الفنية.
وإلزام أصحاب الأعمال والمتعهدين والوسطاء بعدم تشغيل أي طفل دون السن القانونية، والتحقق من السن قبل التشغيل أو التدريب، وتحمل المسؤولية القانونية عن أي مخالفة.
وتفعيل التفتيش العمالي على القطاع الزراعي، وعدم قصر التفتيش على المنشآت الرسمية أو الكبيرة، مع وضع خطط تفتيش موسمية خلال فترات الحصاد والمواسم الزراعية التي ترتفع خلالها مخاطر تشغيل الأطفال.
وتفعيل دور لجان حماية الطفل في القرى والمراكز والمحافظات لرصد الأطفال المعرضين للاستغلال الاقتصادي أو العمل الخطر والتدخل المبكر لحمايتهم.
وإنشاء آلية وطنية للإبلاغ عن تشغيل الأطفال ونقلهم بصورة غير آمنة، تتيح للأسر والمواطنين والمجتمع المدني الإبلاغ الفوري عن المخالفات، مع ضمان سرعة الاستجابة والحماية.
وتوفير بدائل اقتصادية واجتماعية لأسر الأطفال الأكثر احتياجًا، بما يقلل من الدوافع الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل في الحقول.
وضمان استمرار الأطفال في التعليم، باعتباره خط الدفاع الأول ضد الاستغلال الاقتصادي وعمل الأطفال، مع توفير برامج دعم اجتماعي للأسر التي تواجه مخاطر التسرب من التعليم بسبب الفقر.
وإلزام الجهات المعنية بوضع خطة وطنية لحماية الأطفال في العمالة الزراعية الموسمية، تتضمن إجراءات وقائية محددة، ومسؤوليات واضحة لكل جهة، ومؤشرات لقياس التنفيذ، وآلية للمساءلة.
ونشر نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة بشفافية في الحوادث التي يذهب ضحيتها أطفال، حتى لا تتحول كل واقعة إلى حادث منفصل دون معالجة الأسباب الهيكلية التي أدت إليها.
وتؤكد المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة أن الفقر لا يسقط حق الطفل في الحماية والعمل الموسمي لا يسقط عنه الحماية القانونية، والمناطق الريفية ليست مناطق مستثناة من تطبيق القانون، وإن الطفل الذي يخرج من قريته بحثًا عن مصدر رزق لأسرته لا يفقد بسبب ذلك حقه في الحياة الآمنة، ولا حقه في التعليم، ولا حقه في الحماية من الاستغلال والعمل الخطر/ وإذا كانت الدولة تملك القوانين والاتفاقيات والآليات اللازمة لحماية هؤلاء الأطفال… فإن السؤال لم يعد: هل توجد حماية قانونية للأطفال؟ وإنما أصبح السؤال الحقيقي: أين تطبيق هذه الحماية؟ ومن المسؤول عن غيابها عندما يتحول طريق الطفل إلى الحقل إلى طريق للموت؟
وفي هذا الصدد طالبت المؤسسة بتحويل الالتزامات الدستورية والدولية والقانونية من مجرد نصوص مكتوبة إلى إجراءات إلزامية ورقابة فعلية ومساءلة حقيقية، لأن حماية حياة الطفل ليست خيارًا إداريًا، وإنما التزام قانوني وحق أصيل لا يجوز التنازل عنه أو التساهل فيه.



