مصر من مرحلة البناء إلى مرحلة الإنتاج

مقال تحليلي بقلم / اللواء – حسام سلامة
عانت مصر فى الفترات الماضية من مشاكل اقتصادية عديدة أدت إلى تراجع الحالة المعيشية للمواطن وارتفاع معدلات التضخم. وقد ساعد على تفاقم هذه التحديات عدة عوامل، أبرزها ضعف البنية التحتية، وسوء المناخ الاستثمارى سابقًا، إلى جانب الوضع السياسى والعسكرى المضطرب فى الإقليم المحيط بالبلاد
هذه الظروف دفعت القيادة السياسية إلى تبنّى خطة شاملة لإعادة بناء وهيكلة الدولة، تقوم على محورين:
الأول: هو إقامة مشروعات كبرى لتقوية البنية الأساسية وحل المشكلات القديمة المتراكمة.
والثانى: هو وضع استراتيجية بعيدة المدى تعتمد على تحويل مصر إلى مركز إقليمى للطاقة، وتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافى لتصبح لاعبًا لوجستيًا مؤثرًا فى التجارة الدولية.
ورغم أن هذه المشروعات الضخمة فرضت ضغوطًا اقتصادية مؤقتة وأجبرت مصر على التوسع فى الاقتراض لتنفيذها، إلا أنها مثلت الاستثمار الضرورى الذى لا يمكن للنمو الاقتصادى الحقيقى أن يتحقق بدونه. وقد انعكست تكلفة هذه المرحلة على المواطن المصرى بالفعل، لكنها كانت خطوة تأسيسية لمرحلة جنى الثمار.
أولًا: قطاع الطاقة… انطلاقة قوية تُغيّر موازين المنطقة
شهد قطاع الطاقة طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز والبترول فى البحر المتوسط والدلتا والصحراء الغربية.،هذه الاكتشافات عززت قدرة مصر على قرب تحقيق الاكتفاء الذاتى من الغاز، واستعادة موقعها كمصدّرللطاقة بعد سنوات من التراجع.
ولم يكن تطوير الحقول وحده هو النقلة، بل أيضًا تحديث محطات الإسالة وترقية البنية التحتية التى وضعت مصر فى موقع تنافسى يفتح لها أبواب التصدير لأسواق متعددة ويعزز مكانتها كمركز إقليمى للطاقة فى المنطقة.
ثانيًا: البنية اللوجستية… شبكة تربط مصر بالعالم
حققت مشروعات البنية الأساسية نقلة تاريخية فى قدرة الدولة على جذب الاستثمار واستيعاب النمو الصناعى. أبرز هذه المشروعات – إنشاء وتطوير شبكة طرق وكبارى تعتبر الأفضل فى إفريقيا والشرق الأوسط، تطوير الموانئ البحرية وزيادة طاقتها الاستيعابية وربطها بالمناطق الصناعية، إطلاق مشروعات متطورة مثل القطار الكهربائى السريع والمونوريل إنشاء مناطق لوجستية وتجارية جديدة تدعم حركة التجارة والتصدير، هذه المشروعات جعلت مصر أقرب لتكون مركز لوجستى عالمى، ورفعت تنافسية الاقتصاد المصرى وقدرته على جذب الشركات العالمية
ثالثًا: ارتفاع الاحتياطى الأجنبى وتعافى التدفقات النقدية
خلال الفترة الأخيرة شهد الاحتياطى النقدى ارتفاعًا مستمرًا، مدعومًا بزيادة الصادرات، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، وتعافى قطاع السياحة، وتدفقات استثمارية مباشرة وغير مباشرة. هذا التحسن دعم استقرار السوق وقلل من الضغوط المفروضة على العملة الأجنبية. وهو ما يعطى مؤشرات ايجابيه جدا للمضى نحو التعافى وسداد الديون المستحقه وجعل التصنيف المصرى يرتفع ضمن المؤشرات العالمية.
ولكن رغم كل هذه النتائج لن نشهد تحسن واضح لسعر الصرف للدولار في مقابل الجنيه لعدة أسباب أهمها هو تشجيع الاستثمار والمحافظة وضمان أستمرار عمليات التصدير لمنتجاتنا للخارج والتي تتأثر مباشرة بسعر الصرف
رابعًا: الصناعة والتصدير… بناء اقتصاد إنتاجى حقيقى
تحرص الدولة على دعم قطاع الصناعة باعتباره المحرك الأساسى لأى اقتصاد قوى وفى هذا السياق تم إعادة تشغيل عدد كبير من المصانع المتعثرة، تشجيع التصنيع المحلى للسلع المستوردة ،إنشاء مدن صناعية جديدة زيادة الصادرات فى قطاعات متنوعة مثل الكيماويات، مواد البناء، الأغذية والمنسوجات هذا التوسع الصناعى بدأ يحقق نتائج واضحة على الميزان التجارى ويقلل من الاعتماد على الواردات.
خامسًا: التوسع الزراعى… أمن غذائى وتصدير للمستقبل
شهد القطاع الزراعى طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة مع تنفيذ مشروعات قومية ضخمة هدفت إلى زيادة الرقعة الزراعية وتحقيق الأمن الغذائى وتقليل الاعتماد على الواردات. ومن أهم هذه المشروعات : مشروع مفيض توشكا ومنطقة العوينات – الدلتا الجديدة الذى يعد من أكبر مشروعات الزراعة فى الشرق الأوسط مشروع مستقبل مصر للإنتاج الزراعى – تنمية سيناء ورفع كفاءة الترع وشبكات الرى -التوسع فى نظم الرى الحديث لزيادة الإنتاجية وجودة المحاصيل
هذه الجهود انعكست على ارتفاع ملحوظ فى الصادرات الزراعية المصرية، التى تجاوزت أرقامًا تاريخية وأصبحت تنافس فى أسواق أوروبا والخليج وإفريقيا، خصوصًا فى محاصيل مثل: البرتقال، البطاطس، البصل، الرمان، الفراولة، العنب
أصبحت مصر اليوم من أكبر مصدّرى البرتقال فى العالم، ومن أبرز اللاعبين عالميًا فى عدد من المنتجات الزراعية
سادسا: قطاع الغزل والنسيج… عودة الصناعة المصرية بقوة
تعمل الدولة على إعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج باعتبارها أحد أهم الصناعات التاريخية فى مصر. وقد شهدت المدن الصناعية مثل المحلة وكفر الدوار ودمياط تطورًا كبيرًا من خلال- إنشاء أكبر مجمع للغزل والنسيج فى العالم بالمحلة الكبرى تحديث الماكينات وخطوط الإنتاج تدريب العمالة ورفع كفاءتها التوسع فى زراعة القطن طويل التيلة وتطوير منظومة تسويقه الهدف من هذه الطفرة هو استعادة مكانة مصر كأحد أهم مراكز صناعة المنسوجات عالميًا وزيادة التصدير فى هذا القطاع الذى يعد من أقوى القطاعات كثيفة العمالة
سابعا: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس… بوابة صناعية ولوجستية عالمية
تُعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المصرى فى المستقبل فقد تحولت المنطقة من مجرد ممر ملاحى إلى مركز صناعى ولوجستى ضخم من خلال- إنشاء مناطق صناعية متعددة الجنسيات (الروسية – الصينية – الامريكية – الهندية – الاوربيه – الكوريه – وغيرها….) – تطوير موانئ القناة وربطها بخطوط التجارة العالمية جذب استثمارات فى مجالات مثل الهيدروجين الأخضر والصناعات الثقيلة والمتوسطة – التوسع فى خدمات السفن والتموين والإصلاح
هذه المنطقة أصبحت اليوم من أهم أدوات مصر لتعزيز دورها فى التجارة العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية
ثامنا : صناعة السيارات والأتوبيسات… دخول مصر سباق الصناعة المستقبلية
خطت مصر خطوات واسعة فى صناعة السيارات بهدف التحول من دولة مستوردة بالكامل إلى دولة تمتلك صناعة محلية تنافس إقليميًا. وأبرزهذه التحركات إطلاق مبادرة توطين صناعة السيارات الكهربائية والهجينة
– بدء تصنيع الأتوبيسات الكهربائية بالتعاون مع شركات عالمية فى مصر- تجهيز البنية التحتية لمحطات الشحن الكهربائى – – إقامة مصانع جديدة للتجميع والتصنيع بنسبة مكوّن محلى متزايدة – دعم المصانع المحلية لإنتاج مكونات سيارات مثل الإطارات والبطاريات والقطع المعدنية
هذه الصناعة تُعد من ركائز النمو الصناعى خلال السنوات القادمة نظرًا لما توفره من فرص عمل واستثمارات ضخمة وتقليل فى فاتورة الاستيراد
تاسعا : مشروع الضبعة النووى… قفزة استراتيجية لتأمين الطاقة
يُعد مشروع محطة الضبعة النووية واحدًا من أهم المشروعات الاستراتيجية التى دخلت مصر بها عالم الطاقة المتقدمة. فالمشروع لا يهدف فقط إلى إنتاج الكهرباء، بل يمثل تحولًا نوعيًا فى قدرات الدولة الصناعية والتكنولوجية.
أهمية المشروع تتجلى فى عدة محاور
1.تأمين احتياجات الطاقة لعقود طويلة: إنتاج الكهرباء من الضبعة سيوفر طاقة نظيفة ومنخفضة التكلفة على مدى عشرات السنين، ما يخفف الضغط على الغاز الطبيعى ويتيح توجيه المزيد منه للتصدير.
2.نقل تكنولوجيا متقدمة إلى مصر: يوفر المشروع فرصة تدريب وتأهيل آلاف المهندسين والفنيين المصريين فى واحد من أعقد مجالات التكنولوجيا، وهو ما يرفع كفاءة سوق العمل ويؤسس لخبرات محلية فى المجال النووى السلمى
3.دعم الصناعات المرتبطة بالطاقة: إنشاء المحطة النووية يحفّز تطوير صناعات محلية مثل تصنيع مكونات ميكانيكية وكهربية، إنشاء بنية تحتية عالية المواصفات، وتقوية شبكات نقل الكهرباء
4.تعزيز مكانة مصر الإقليمية: وجود محطة نووية سلمية حديثة يعزز مكانة مصر كدولة تمتلك مصادر متنوعة للطاقة
5.آثار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة: خلق آلاف فرص العمل أثناء البناء والتشغيل، نقل خبرة علمية لمصر، وجذب شركات عالمية للتعاون والاستثمار بالمناطق المحيطة بالمشروع
عاشرا : مستقبل المواطن المصرى… من مرحلة التأسيس إلى مرحلة العائد
تحمل المواطن تكلفة برامج الإصلاح والمشروعات القومية خلال السنوات الماضية، لكن المرحلة الحالية تشهد تحولًا واضحًا من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الحصاد. انعكاسات ذلك على المواطن فى الفترة القادمة تشمل:
1.تحسن تدريجى فى الأسعار مع زيادة الإنتاج المحلى.
2.زيادة فرص العمل بفضل توسع الصناعة والخدمات اللوجستية.
3.تحسن البنية الأساسية والخدمات بشكل مباشر فى حياة الناس
4.ارتفاع دخل الدولة بما يسمح بخدمات اجتماعية ودعم أكثر استقرارًا
باختصار… الاقتصاد المصرى ينتقل اليوم من مرحلة البناء إلى مرحلة الإنتاج، ومعه ينتقل المواطن من دفع تكلفة التأسيس إلى الاستفادة من عائد الاستثمار.


معالى اللواء حسام
بارك الله فى سيادتكم على هذا المقال الذى شرح باختصار ما وصلت اليه القيادة السياسية فى مصر من تقدم لمستقبل افضل للبلد بعد معاناة من الإهمال والفساد على مدار عقود مضت .
منذ عام 2015 ونحن نشعر ونرى على الواقع خطط القيادة السياسية لتنمية البلد ووضع أسس الاستقرار السياسى والاقتصادى والعسكري الذى يضمن لمصر وشعبها الاستقرار والنموذج.