مركز الميزان لحقوق الإنسان يستنكر تحويل معبر رفح لأداة قمع وإذلال وعقاب جماعي ويطالب بحماية المدنيين الفلسطينيين

الجسر – خاص
أدان مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات القيود والإجراءات التعسفية والعقابية التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على حركة الفلسطينيين عبر معبر رفح، وما يرافقها من ممارسات مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية بحق المسافرين والعائدين إلى قطاع غزة، في انتهاك جسيم لحقوقهم الأساسية، ولا سيما الحق في حرية الحركة والتنقل والسلامة والكرامة الإنسانية، وفرضها إجراءات تعسفية وعقابية تكشف عن ممارسات ممنهجة من سوء المعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية بحق الفلسطينيين في إدارة عمل معبر رفح البري، الذي لم يعد مجرد مرفق لعبور المدنيين، بل تحول إلى أداة ممنهجة للقمع والإذلال الجماعي.
وقال بيان المركز أن معبر رفح يشهد تقييداً شديداً من قبل قوات الاحتلال أمام سفر الفلسطينيين سواء المغادرين لقطاع غزة أو القادمين إليه، ووفق الآلية المعتمدة لعمل معبر رفح منذ فتحه جزئياً أوائل فبراير 2026، فإن عدد المسافرين المسموح بمرورهم يبلغ نحو 150 شخصاً من المرضى ومرافقيهم، ويسمح بقدوم العدد نفسه إلى القطاع بشكل يومي عدا أيام الإجازات الرسمية، إلا أن المتابعة الميدانية للمركز منذ مطلع آغسطس الحالي 2026، تشير إلى أن عدد من سمح لهم بالسفر لم يتجاوز 95 مواطناً في اليوم الواحد، ويشمل ذلك المرضى ومرافقيهم معاً، في حين اقتصر عمل المعبر على ثلاثة أيام في الأسبوع فقط، الأمر الذي أدى إلى اعتماد مرافق واحد لكل مريض بدلًا من مرافقين اثنين حسب ما كان معتمداً.
وبحسب المتابعة الميدانية وخلال الأسبوع من تاريخ 24 يوليو إلى 30 يوليو، تم فتح المعبر ثلاثة أيام كان عدد المغادرين فيها 263 (106 مريض ،157 مرافق)، ومن ثم الأسبوع الذي يليه 31 يوليو إلى 7 أغسطس عدد (215)، وبلغ عدد المسافرين من 8 أغسطس الى 13 أغسطس، 276 (121 مريض، 155 مرافق).
ويشكل السفر من قطاع غزة معاناة إنسانية بالغة التعقيد، إذ يواجه المواطنون، ولا سيما المرضى والجرحى، إجراءات طويلة ومعقدة تحول دون حصولهم على حقهم في العلاج والتنقل، حيث لا تزال أعداد المغادرين محدودة للغاية مقارنة بحجم الاحتياجات المتفاقمة، وتتفاقم خطورة هذه القيود في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية في قطاع غزة، حيث وصل العجز الدوائي الى 47% بينما وصلت نسبة العجز في المستهلكات الطبية 58%، ونسبة النقص في مواد الفحص المخبري 85%. كما اعلنت الصحة أن 12 محطة اكسجين فقط من أصل 34 ما تزال تعمل، فيما يتوفر 4 أجهزة فقط لتعبئة أسطوانات الأكسجين من أصل 30، مؤكدة أن استمرار هذا الوضع يهدد بتعطيل إمدادات الأكسجين للمستشفيات والمرضى بسبب استنزاف طاقتها التشغيلية وتفاقم الأعطال الفنية، مما يوثر على المرضى اللذين يحتاجون البقاء على أجهزة الأكسجين.[2]
وقال المركز في بيانه أن الوقت الذي تفرض فيه قوات الاحتلال قيوداً مشددة على مغادرة الفلسطينيين لقطاع غزة، يتعرض العائدون إليه بدورهم لإجراءات تفتيش ومعاملة مهينة وقاسية، بما يكشف أن القيود المفروضة عبر المعبر لا تقتصر على التحكم في أعداد المسافرين، وإنما تمتد إلى طريقة معاملتهم أثناء العبور، بما يمس كرامتهم وسلامتهم وممتلكاتهم الشخصية. كما أن خروجهم وعودتهم يحتاج إلى موافقة أمنية إسرائيلية تحت اشراف بعثة الاتحاد الأوربي، وكانت إسرائيل ولا زالت ترفض سفر عدد من المواطنين وعودة بعضهم. كما تم نقل نقطة دخول وخروج السكان إلى قطاع غزة من معبر رفح إلى معبر كرم أبو سالم بذريعة عمليات التهريب التي تتم، ولكن منذ ذلك الوقت إجراءات التفتيش كانت أكثر صرامة وصعوبة على المواطنين.
وقال المركز لقد وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، في تحديث صدر بتاريخ 12 أغسطس 2026، شهادات لعائدين إلى قطاع غزة بشأن سوء المعاملة والعنف ومصادرة الممتلكات أثناء إجراءات العبور عبر معبر رفح، وأفاد المكتب بأن 54 شخصاً من أصل 92 عائداً جرى التحدث إليهم في إحدى عمليات العبور، أبلغوا عن مصادرة بعض أو جميع ممتلكاتهم، فيما تضمنت شهادات أخرى التعرض للضرب والتقييد والتفتيش الجسدي المهين.
وأستعرض مركز الميزان لحقوق الإنسان بعض الشهادات التي حصل عليها من بعض المواطنين الذين تنقلوا عبر معبر رفح، والتي تظهر حجم المعاناة التي يتكبدها المدنيون، وما يتعرضون له من ممارسات تنطوي على الإذلال والخوف والاستغلال، وتفاقم من معاناتهم خلال رحلة العبور، بما يمس كرامتهم الإنسانية ويثير مخاوف جدية بشأن طبيعة الإجراءات والممارسات المفروضة عليهم:
حيث أفادت المواطنة (هـ. ش.) لباحث مركز الميزان: “غادرت قطاع غزة عام 2024 كمرافقة لأحد المرضى، وعدت إليه في منتصف شهر يوليو 2026. كانت رحلة العودة صعبة وشاقة جداً، وقد أعادت قوات الاحتلال عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا عائدين معنا إلى مصر، ما زاد من مشقة الرحلة والقلق الذي رافقنا، إلى جانب الخوف الطبيعي من وجود قوات الجيش الإسرائيلي، وقبل وصولنا إلى نقطة التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي، تعرضنا للتفتيش من قبل جماعة مسلحة تابعة له، وكانت إجراءات التفتيش همجية ومهينة للغاية، صادروا مني أدوية خاصة بمرض السكري، إضافة إلى قطرتين للعين كنت أحملهما لعلاج حفيدي المصاب، كما صادروا شاشة هاتف محمول، وعندما حاولت التوسل إليهم لإعادتها، وجهوا إلي ألفاظاً نابية ومهينة، رغم أنني امرأة كبيرة في السن، شعرت حينها بأننا فقدنا كل كرامة، وأنه لم يعد لنا أي وجود.”
وأفادت المواطنة (إ. م.) لباحث مركز الميزان: “عدت إلى قطاع غزة بداية شهر يوليو 2026، وأعتقد أن ذلك اليوم كان من أصعب الأيام التي مرت علي، بسبب التشدد الشديد في إجراءات التفتيش، ورغم التزامي بالتعليمات وحملي حقيبة واحدة لا يتجاوز وزنها 20 كيلوغراماً، فإن معاملتي كانت سيئة جداً، إذ كان أفراد المجموعة المسلحة التابعة للجيش يلقون محتويات الحقيبة على الأرض أثناء تفتيشها، ما أدى إلى امتلاء أغراضنا بالتراب. وللأسف، صادروا مني أيضاً قطعاً من الذهب كنت أرتديها، وعندما اعترضت على ذلك، هددوني باعتقالي، وشددوا إجراءات تفتيشي، وحتى الآن، لا أعرف إلى أي جهة يمكنني التوجه لاستعادة الذهب الذي تمت مصادرته مني.”
وأفادت المواطنة (أ. ش.): وهي مريضة سرطان، سافرت للعلاج في مارس 2024، وعدت إلى قطاع غزة بعد انتهاء العلاج في بداية شهر يوليو 2026، مع ثلاثة من أطفالي، الطريق كانت شاقه جداً، كان معي أربع حقائب لكل واحد حقيبة كما هو مصرح لكل طفل حقيبة الإ اننا وخلال التفتيش تم مصادرة أكثر من نصفهم ومنهم ألعاب الأطفال وبعض الأدوية والملابس ورموها في الأرض، وجلسنا وقت طويل نجمع بعض القطع من الأرض، وبعض الأدوية التي كانت تلزمني في العلاج، وتحدثت معهم كثيراً ورجوتهم لإرجاع بعض الأدوية والمستلزمات المصادرة لي ولكن دون فائدة.
وأفادت المواطنة (أ. م.): عدت إلى قطاع غزة بتاريخ 23 يونيو 2026، تجمعنا بجوار سفارة دولة فلسطين في القاهرة وتحركنا جميع المسافرين في باصات، ومن ثم وصلنا معبر رفح وهناك استلموا جوازات سفرنا، ومن ثم أبلغونا بأسمائنا، اذا كان مسموح الدخول للشخص أو العودة إلى مصر، وأرجعوا يومها عدد كبير من المسافرين ما يقارب عشرة مسافرين، وعندما دخلنا عند بعثة الاتحاد الأوربي جرى تفتيش متعلقاتنا الخاصة وفتشت شخصياً من قبل موظفة هناك، كانت معي شنطة صغيرة فيها بعض المتعلقات الخاصة وملابس وبعض الألعاب والأدوية، سألوني عن الأدوية وأظهرت التقرير الطبي الخاص بي حتي يسمحوا لي بإدخالهم ولكنهم صادروا بعضها وبعض المستلزمات الخاصة كالعطور وغيرها، ومن ثم مررنا إلى الباصات لنقلنا إلى مستشفى ناصر الطبي في خان يونس.
وقال المركز ان هذه الشهادات التي وثقها تكشف إلى جانب ما وثقه مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين عبر معبر رفح لا تقتصر على الحد من أعداد المسافرين وتقليص فرص المرضى في الوصول إلى العلاج، بل تمتد إلى إخضاع العائدين لإجراءات تفتيش وممارسات تمس كرامتهم وسلامتهم وممتلكاتهم الشخصية، وتظهر نمطاً من التضييق والإذلال يفاقم معاناة المدنيين ويجعل من رحلة العودة تجربة محفوفة بالخوف والمخاطر، بما يشكل وجهاً من أوجه العقاب الجماعي ومحاولة لردع الفلسطينيين عن العودة إلى قطاع غزة.
من جانبه صرح عصام يونس مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، “إن الإجراءات التعسفية التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على معبر رفح تمثل انتهاكاً لحقوق الفلسطينيين، وتفاقم معاناة المدنيين وتعرقل حقهم في حرية الحركة والتنقل، وإن استمرار هذه الممارسات، بما في ذلك التدخل في حركة العابرين وإخضاعهم لإجراءات عقابية غير إنسانية، يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إلحاق الأذى بهم، وفرض السيطرة على معبر فلسطيني مصري خالص، وذلك يستوجب التدخل الدولي لضمان إدارة المعبر فلسطينياً وبإشراف السلطة الفلسطينية، بما يكفل احترام القانون الدولي وحماية المدنيين وكرامتهم”.
وصرح أجيث سونغاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة: “إن هذه الانتهاكات التي نشهدها ضد الفلسطينيين العائدين إلى غزة جزء من نمط أوسع من الانتهاكات والتجريد من الإنسانية، وهي تثني الناس عن العودة. هؤلاء أشخاص في حالة هشة يعودون إلى أرضهم المحتلة التي دمرتها سنوات من القصف الإسرائيلي وحرمتهم من أبسط مقومات الحياة. والآن يضطرون إلى تحمل هذا الوضع عند عودتهم؟ إنه لأمر مروع بكل بساطة”.
في ذات السياق شدد مركز الميزان لحقوق الإنسان على أن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين عبر معبر رفح، وتقليص أعداد المرضى ومرافقيهم، إلى جانب إخضاع العائدين لإجراءات تفتيش مهينة ومصادرة ممتلكاتهم وتهديدهم وسوء معاملتهم، تمثل انتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية، وتفاقم من آثار الكارثة الإنسانية المتواصلة في قطاع غزة. ويؤكد المركز أن حرية الحركة والتنقل ليست امتيازاً تمنحه سلطات الاحتلال، وإنما حق أصيل تكفله قواعد القانون الدولي، وأن المدنيين والمرضى والجرحى يتمتعون بحماية خاصة تقتضي تيسير وصولهم إلى العلاج وعودتهم بشكل آمن، وعدم إخضاعهم لإجراءات ممنهجة تفضي لإلحاق الأذى بهم.
وأكد المركز أن معبر رفح هو معبر فلسطيني مصري، وأن أي سيطرة أو وجود لقوات الاحتلال الإسرائيلي عليه أو في إدارته يمثل انتهاكاً للقانون الدولي والحقوق الفلسطينية، ولا يمكن أن يشكل أساساً لترتيبات دائمة أو شرعية لإدارة المعبر، وأن تشرف عليه السلطة الفلسطينية، وبالتنسيق الكامل مع جمهورية مصر العربية، بما يضمن فتحه وتشغيله بصورة منتظمة وآمنة، وبما يحفظ كرامة وحياة المواطنين الفلسطينيين ومتعلقاتهم، ووحدة الأراضي الفلسطينية، بعيداً عن أي سيطرة أو تدخل إسرائيلي.
وعليه طالب المركز المجتمع الدولي، لا سيما الأمم المتحدة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الرابعة، ومحكمة العدل والمحكمة الجنائية الدولية، بالتدخل الفاعل والضغط على قوات الاحتلال لوقف جميع أشكال الهجمات العسكرية على المدنيين وممتلكاتهم، وفتح جميع المعابر بشكل فوري ودون قيود، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والوقود والمعدات الطبية ومواد الإغاثة، وتسهيل وصولها إلى جميع المناطق دون استثناء، وضمان فتح معبر رفح بشكل كامل ودائم، وتأمين حرية الحركة والتنقل للفلسطينيين، خاصة المرضى والجرحى، وعودة المواطنين إلى قطاع غزة بشكل آمن وبما يحفظ حقهم في العودة والكرامة الإنسانية.



