«اللاجئون في مصر بين الشارع والدولة والرقم والمعنى”

بقلم/ رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية
في كل نقاش يدور اليوم على منصات التواصل أو في أحاديث الشارع المصري، يكاد موضوع اللاجئين والوافدين إلى مصر يتحول إلى مساحة مشحونة بالانطباعات السريعة أكثر من كونه نقاشا قائما على معرفة دقيقة.
البعض يرى أن الأعداد ضخمة بلا حدود، والبعض الآخر يرى أن الأمر لا يستحق القلق، وبين الطرفين تضيع الحقيقة الهادئة التي تحتاج إلى تفكيك لا إلى انفعال، وإلى شرح لا إلى شعارات.
لو سألت مواطنا في الشارع عن عدد اللاجئين في مصر، قد تسمع أرقاما متضاربة تتراوح بين مليون وعشرة ملايين وربما أكثر، لكن الحقيقة أن ما هو مسجل رسميا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لا يتجاوز في تقديرات 2026 نحو 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء، أغلبهم من السودان بنسبة تقارب ثلاثة أرباع هذا الرقم، ثم سوريا، فجنسيات أخرى متعددة، وفي المقابل، تشير تقديرات حكومية إلى أن إجمالي الأجانب المقيمين على أرض مصر بمختلف أوضاعهم القانونية والإنسانية قد يقترب من 9 إلى 10 ملايين شخص، وهو رقم لا يعني لاجئين فقط، بل يشمل طلابا، وعمالا، ومستثمرين، ومقيمين لأغراض متعددة، بل وأشخاصا دخلوا البلاد قبل سنوات طويلة واستقروا فيها بشكل قانوني أو شبه قانوني.
هذا الفارق بين “لاجئ” و”أجنبي مقيم” هو أول نقطة يغيب فهمها عن كثيرين، رغم أنه مفتاح كامل القضية، فاللاجئ ليس مهاجرا اقتصاديا، ولا هو بالضرورة مقيم دائم، بل هو شخص خرج من بلده قسرا تحت ضغط حرب أو اضطهاد أو انهيار أمني، أما الأجنبي المقيم فهو أي شخص غير مصري يعيش داخل البلاد لأي سبب كان، وفق إقامة قانونية أو مؤقتة أو حتى غير مستقرة في بعض الحالات، وبين هذين التعريفين تقع منطقة ثالثة يختلط فيها الأمر على الناس: طالب اللجوء، وهو من تقدم بطلب حماية ولم يتم البت فيه بعد، ثم هناك الفار من الحرب كحالة إنسانية واقعية، لكنها لا تساوي تلقائيا وضعا قانونيا محددا، وأخيرا هناك المهاجر غير النظامي الذي دخل أو أقام خارج الأطر القانونية تماما.
لماذا يهم هذا التفريق؟ لأن الخلط بين هذه الفئات هو ما يصنع كثيرا من الجدل غير الدقيق، عندما يسمع المواطن أرقاما كبيرة دون تفصيل، تتكون لديه صورة أن الجميع لاجئون يحصلون على دعم مباشر من الدولة، بينما الواقع أكثر تعقيدا بكثير، لأن كل فئة لها وضع قانوني مختلف، وحقوق مختلفة، ودرجة اندماج مختلفة في المجتمع.
لكن بعيدا عن التعريفات، هناك سؤال أكثر حساسية في الشارع: هل يؤثر وجود اللاجئين والوافدين على حياة المصريين اليومية؟
الإجابة ليست نعم أو لا بشكل مطلق، فمصر، منذ سنوات، تتعامل مع هذا الملف بمنطق “الاندماج داخل المجتمع” لا “العزل في مخيمات”، وهو نموذج مختلف عن دول عديدة أقامت معسكرات لجوء ضخمة، هذا الاختيار له كلفة وله أيضا نتائج، من جهة، هو يحافظ على الكرامة الإنسانية ويمنع نشوء مجتمعات معزولة داخل الدولة، لكنه من جهة أخرى يضيف ضغطا تدريجيا على خدمات قائمة أصلا تحت ضغط سكاني كبير.
في بلد يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة، مع نمو ديموغرافي سريع وضغوط اقتصادية واضحة، فإن أي زيادة في الطلب على السكن أو التعليم أو الصحة أو النقل تنعكس بشكل مباشر على المواطن، ولذلك يشعر البعض بارتفاع الإيجارات أو ازدحام المدارس أو الضغط على الخدمات، وهي ملاحظات لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضا لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط.
فالاقتصاد المصري نفسه يمر بتحولات معقدة تشمل التضخم، وتغيرات سعر الصرف، وكلفة الاستيراد، وإعادة هيكلة الدعم، وهذه عوامل تؤثر بشكل مباشر على الأسعار ومستوى المعيشة، وبالتالي فإن ربط كل الضغوط بوجود اللاجئين فقط هو تبسيط مخل، لكنه في الوقت نفسه تجاهل أي تأثير لهم هو أيضا قراءة غير دقيقة.
في المقابل، هناك جانب آخر غالبا ما يغيب عن النقاش العام، فجزء من الوافدين ليس عبئا اقتصاديا، بل هو جزء من نشاط اقتصادي قائم، هناك مستثمرون، وأصحاب أعمال، وعمالة في قطاعات معينة، وطلب إضافي على السلع والخدمات يحرك السوق في بعض المجالات، الصورة إذن ليست سوداء ولا بيضاء، بل مساحة رمادية معقدة تحتاج إلى إدارة لا إلى انفعال.
وهنا يظهر جوهر القضية: ليست المشكلة في وجود اللاجئين أو الوافدين بحد ذاته، بل في إدارة هذا الوجود، هل لدينا بيانات دقيقة؟ هل هناك تسجيل واضح؟ هل هناك تنظيم قانوني محكم؟ هل هناك قدرة على الفصل بين من يحتاج حماية إنسانية ومن يقيم لأسباب اقتصادية؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تحدد جودة الإدارة، لا حجم الجدل في الشارع.
ولأن مصر ليست دولة معزولة، فإن ملف اللاجئين لا يمكن فصله عن الإقليم المحيط بها، فالأزمات في السودان وليبيا وسوريا والقرن الإفريقي والساحل لا تنتج فقط موجات نزوح، بل تعيد تشكيل الخريطة السكانية والاقتصادية للمنطقة كلها. ومن الطبيعي أن تكون مصر في قلب هذا المشهد بحكم الجغرافيا والتاريخ والدور السياسي.
ولهذا أيضا ينظر المجتمع الدولي إلى مصر باعتبارها حالة مختلفة نسبيا، لأنها لم تعتمد نموذج المخيمات المعزولة، بل نموذج الاستضافة داخل المجتمع. وهذا النموذج محل تقدير من مؤسسات دولية، لكنه في الوقت نفسه لا يواكبه دائما تمويل دولي كافٍ يغطي حجم الأعباء الفعلية، وهو ما يضيف تحديا إضافيا على الدولة.
لكن وسط هذا كله، يبقى العنصر الأهم هو الإنسان نفسه، سواء كان مصريا أو وافدا أو لاجئا، فالمشهد على الأرض يعكس تداخلا إنسانيا يوميا، حيث يعيش الناس في نفس الأحياء، ويستخدمون نفس الخدمات، ويتعاملون في نفس الأسواق، وهذا التداخل يخلق أحيانا احتكاكات طبيعية، لكنه أيضا ينتج قصصا كثيرة من التعايش العادي غير المعلن.
المشكلة تبدأ حين يتحول القلق الطبيعي إلى تعميم، أو حين تتحول الانطباعات إلى حقائق مطلقة.
وهنا يصبح دور الدولة والمجتمع والإعلام هو إعادة ضبط النقاش على أساس المعلومات لا الانطباعات، وعلى أساس القانون لا الشائعات.
يمكن للمواطن أن يقلق، وهذا حقه الطبيعي، ويمكن للدولة أن تنظم وتضبط، وهذا واجبها، ويمكن للمجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته، وهذا التزامه، ولا يوجد تناقض بين التعاطف مع من فر من الحرب، وبين حماية مصالح المواطن داخل وطنه، فالدول الرشيدة لا تختار أحد الطرفين، بل تدير التوازن بينهما.
وفي النهاية، تظل مصر ليست دولة هجرة تقليدية ولا دولة لجوء بالمعنى الكلاسيكي، بل دولة ارتبط أمنها القومي باستقرار محيطها، ولذلك فإن كل أزمة في الجوار تنعكس عليها مباشرة، وكل اضطراب إقليمي يفرض عليها أدوارا إضافية، سواء أرادت ذلك أم لا.
والتحدي الحقيقي ليس في وجود اللاجئين، بل في القدرة على تحويل هذا الملف من مصدر توتر إلى ملف منظم، ومن حالة جدل إلى سياسة دولة، ومن عبء إداري إلى رؤية استراتيجية.
وفي قلب هذه الرؤية، تبقى إفريقيا هي الإطار الأوسع، فكلما استقرت الدول الإفريقية، تقلصت موجات النزوح، وكلما توسعت التنمية، تقلصت دوافع الهجرة القسرية، وهنا يصبح دور مصر ليس فقط في إدارة الموجود، بل في المساهمة في تغيير الأسباب.
وفي النهاية، ليست القضية قضية أرقام فقط، بل قضية دولة تعرف كيف تحافظ على إنسانيتها دون أن تفقد قدرتها على التنظيم، وتعرف كيف تحمي مجتمعها دون أن تنغلق على محيطها، وتعرف كيف تبقى جزءا من العالم دون أن تفقد خصوصيتها.



