الآلية الدولية المحايدة تؤكد تحقيق تقدم في التعاون مع سوريا وأهمية الفرص الجديدة في المرحلة الانتقالية

الجسر – خاص
قالت الآلية الدولية المحايدة المستقلة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، إن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصا جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.
جاء ذلك في التقرير الثاني عشر الذي استعرضته الآلية خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأكدت الآلية الدولية أنها حققت تقدما ملموسا في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد.
يغطي التقرير، السنة الأولى الكاملة لعمل الآلية بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024.
وقد أنشأت الجمعية العامة، الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في ديسمبر عام 2016، للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة، المرتكبة في سوريا منذ مارس 2011.
روبرت بيتي رئيس الآلية قال إن التقدم خلال العام الماضي في تحقيق العدالة بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا، لم يقتصر فقط على إجراءات بدأت في الخارج، بل شمل أيضا تدابير اتخذت داخل البلاد.
وأشار إلى عمل مؤسسات جديدة، منها اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين، في التوثيق وحفظ الأدلة والتشاور مع الضحايا والناجين.
وقد تمكنت الآلية – لأول مرة منذ إنشائها قبل عشر سنوات – من زيارة سوريا. وقامت خلال العام الماضي بمهمات شهرية إلى البلاد، تواصلت خلالها بشكل مستمر مع وزارات الخارجية والعدل والداخلية.
وقال بيتي إن الحوار مع السلطات تطور خلال عام 2025، من اجتماعات تمهيدية إلى مناقشات جوهرية.
وأضاف: “تم اتخاذ خطوة مهمة على مسار التعاون، في فبراير 2026، عندما سمحت السلطات السورية للآلية بالقيام بعمل يتعلق بالتحقيقات على الأرض السورية للمرة الأولى.
وخلال البعثة، سُمح للآلية بالوصول إلى منشأة احتجاز عُرفت بارتكاب الفظائع بها. سمح ذلك للآلية بالمساعدة في حفظ الأدلة لأغراض العدالة في الولاية القضائية المطلوبة وكذلك في سوريا”.
وأشار إلى أن الآلية حصلت قبل أيام على إذن بإيفاد مسؤول في مجال الأدلة إلى دمشق لدعم جهود اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في إدارة المعلومات.
وتحدث بيتي أيضا عن التعاون المستمر مع المجتمع المدني السوري والضحايا والناجين. وقال إن ممثلي المجتمع المدني شددوا على الحاجة للقيام بعمليات شفافة ووضع ضمانات ذات مصداقية، مؤكدين أن العدالة الدولية – بما في ذلك عمل الآلية – لا تزال أساسية للسوريين في هذه المرحلة.
وفيما تدخل سوريا مرحلة جديدة يشوبها عدم اليقين من التحول الانتقالي، قال بيتي إن هناك أمرا واحدا ثابتا وهو أن العدالة لا يمكن أن تتعزز بدون التزام مستمر وموارد كافية وهياكل قادرة على الإقرار بجميع الضحايا والجرائم.
وأكدت الآلية مواصلة التزامها بدعم الإجراءات الجنائية العادلة والمستقلة ذات المصداقية، وضمان أن يعكس عملها تجارب وأولويات الضحايا/الناجين.
واختتم بيتي كلمته أمام الجمعية العامة بالقول إن الآلية تعمل “كوحدة معنية بجرائم الحرب في سوريا”، وإنها مستعدة للعمل مع جميع الأطراف الملتزمة بتحقيق العدالة على نحو محايد وشامل يركز على الضحايا.
وقال للدول الأعضاء بالأمم المتحدة: “بدعمكم، يمكن إرساء الأساس لعملية مساءلة بقيادة سورية تسهم ليس فقط في تحقيق الحقيقة والعدالة، بل أيضا في تعزيز فرص المصالحة والسلام والأمن الدائمين”.
في سياق متصل أصدرت الآلية عددا من التوصيات منها طلبها من الحكومة السورية بمواصلة المشاركة البناءة والحوار، والإذن بوجود الآلية داخل سوريا، والسماح لها ببدء وتنفيذ عملياتها في سوريا “دعما لجهود العدالة في البلد وإجراءات المساءلة الجنائية التي تتخذها دول أخرى”.
كما دعت الحكومة إلى دعم تواصل الآلية مع مجموعة واسعة من الضحايا/الناجين من الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا، تعزيزا للعدالة الشاملة.
وطالبت الآلية الدول الأعضاء بضمان الدعم المستدام من خلال زيادة التمويل في الميزانية العادية والتبرعات التكميلية، وضمات التعاون والتحاور على نطاق واسع مع الآلية.
في مستهل الاجتماع قالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك إن الآلية أنشئت استنادا إلى قناعة بأنه “حتى في أحلك الساعات، يجب الحفاظ على الأدلة، وحماية الحقيقة، ووضع حد للإفلات من العقاب؛ لأنه بدون المساءلة لصالح الضحايا والناجين، لا يمكن أن تتحقق العدالة، وبدون العدالة، لا يمكن أن يسود سلام دائم”.
وأضافت أن الشعب السوري قد عانى، خلال سنوات الحرب، من “بعض أشد الجرائم خطورة التي عرّفها القانون الدولي”، وهي جرائم ارتكبها في المقام الأول نظام الأسد، “ولكن ارتكبتها أيضا مجموعات أخرى”.
وفي كلام موجه إلى الحكومة السورية، قالت إن هذا الفصل الجديد في البلاد “لا يجلب الأمل لملايين السوريين فحسب، بل يأتي أيضا بمسؤولية لمواجهة الماضي وبناء مستقبل يرتكز على العدالة للجميع – وهذا يعني العدالة للجميع، وتحقيق العدالة بشأن جميع الجرائم”.
وأضافت: “الضحية تظل ضحية، بغض النظر عن هوية الجاني، وبغض النظر عن حجم الجريمة”.
ودعت المجتمع الدولي والجمعية العامة إلى دعم الآلية بشكل راسخ “يستند إلى حقوق وكرامة كل سوري، أيا كان دينه أو عرقه أو هويته”.
وفي الوقت ذاته، شددت على أن العدالة يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية، مضيفة أنه في حين تبدأ العدالة بجمع الأدلة وإجراء التحقيقات، فإنها “ستظل بلا معنى ما لم تتبعها إجراءات للملاحقة القضائية”.
وقالت بيربوك إن المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية ووضع حد للإفلات من العقاب أمران جوهريان؛ “لأن التاريخ لن يحكم علينا بناء على كيفية استجابتنا للحرب فحسب، بل سيحكم علينا بناء على كيفية وقوفنا نصرة للسلام الذي يعقب الحرب، وما فعلناه لتحقيق العدالة والمساءلة”.
السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي تحدث أمام الجمعية العامة، قائلا: “أتحدث أمامكم من هذا المنبر العالمي باللغة العربية لأن رسالتنا اليوم، وإنْ كانت موجهة إلى المجتمع الدولي، فإنها تتوجه قبل كل شيء إلى الشعب السوري. إلى أمهات الشهداء وأهالي المفقودين والناجين من السجون والمجازر..”.
وأضاف أن نظام الأسد قد ارتكب بحق السوريين جرائم “يندى لها جبين الإنسانية” من القتل المنظم والتعذيب والإخفاء القسري والتجويع والتهجير وهجمات بالأسلحة المحرمة.
وقال إن الشعب السوري انتصر على من ظلمه. وذكر أن سوريا، حكومة وشعبا، لن يهدأ لها بال “حتى ينال من ارتكب تلك الجرائم الفظيعة جزاءه”. وأضاف أن بناء السلام في سوريا لا يمكن أن يقوم على النسيان أو الإنكار أو “القفز فوق الدم والوجع والحق”.
وذكر أن الحكومة تنظر إلى العدالة الانتقالية بوصفها خيارا سياديا ووطنيا وأخلاقيا لا رجعة عنه. وتحدث عن عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية – بالتنسيق مع الحكومة السورية ودعمها – والجهود التي تقوم بها المؤسسات الوطنية المختصة في ملاحقة المجرمين وإجراء التحقيقات.
وتطرق إلى العمل لاستكمال قانون شامل للعدالة الانتقالية “يقوم على مبدأ لا مساومة فيه: لا إفلات من العقاب، ولا حصانة في مواجهة الجرائم الجسيمة”. كما تحدث عن “الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسوريا ووحدة أراضيها”.
السفير العُلبي قال إن سوريا الجديدة اختارت أن تنفتح على المجتمع الدولي بشكل مسؤول وجاد وأن تنخرط إيجابيا مع الآليات والمؤسسات الدولية ذات الصلة، “بما في ذلك لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وغيرها من الجهات الحقوقية والقانونية المعنية”.
وأكد اهتمام بلاده البالغ بجهود الآلية الدولية، “ولا سيما في ذكراها العاشرة هذا العام”، وشكر رئيسها روبرت بيتي على إحاطته أمام الجمعية العامة وعمله وعلى جهود فريقه.
وأعرب عن تقديره لجهود الدول التي أنشأت الآلية ودعمتها “ووقفت إلى جانب الشعب السوري في محنته”.



