
إن اهتمام مصر بعرض آثارها الفرعونية له جذور تاريخية تستحق التسجيل، فقد بدأ ذلك بإنشاء متحف التحرير في نهاية خمسينيات القرن التاسع عشر، وما أعقبه من تأسيس أول مدرسة عليا لعلم “المصريات”، التي تخرج منها عدد من الشخصيات المصرية البارزة المهتمة بآثار مصر، من أبرزهم: أحمد كمال، عالم المصريات الأول؛ والكاتب رفاعة الطهطاوي، مؤرخ كتاب تاريخ مصر القديمة؛ وسليم حسن، مؤلف موسوعة مصر القديمة ورائد علم المصريات، إلى جانب العديد من الشخصيات المصرية التي كان لها اهتمام خاص بالآثار المصرية القديمة مثل علي مبارك ويعقوب أرتين وغيرهم كثير.
وتُعد مصر من الدول التي تحتضن العديد من المتاحف المنتشرة على أرضها، نذكر منها: متحف الإسكندرية القومي، متحف مطروح، متحف النوبة وأسوان، متحف الأقصر، متحف الغردقة، متحف شرم الشيخ، متحف ملوي بالمنيا، متحف أمنحتب بسقارة، ومتحف الحضارة بالفسطاط بالقاهرة، فضلًا عن مجموعة أخرى من المتاحف الخاصة ذات الطابع الفني أو القومي التي تعكس تاريخ وحضارة مصر القديمة.
الجديد في هذا المجال هو القرار الرئاسي في عهد الجمهورية الجديدة، وبموافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتشييد المتحف المصري الجديد وتحويل الحلم إلى واقع، من أجل إثراء التجربة السياحية المصرية وعرض التراث المصري القديم، ليكون لمصر مكانة لامعة في فضاء السياحة الدولية، باعتبارها دولة ذات تاريخ عريق وأرضها تضم أقدم المتاحف في العالم.
أولًا: الموقع
تم اختيار موقع المتحف بالقرب من أهرامات الجيزة، وضمن نطاق أثري يضم منطقة سقارة والهرم المدرج، ومنطقة دهشور حيث هرما سنفرو، ومنطقة أبو صير الأثرية التي تحتوي على معابد الشمس، فضلًا عن قربه من مطار سفنكس. كما تم إنشاء ممر سياحي يربط المتحف بمنطقة الأهرامات بطول لا يتجاوز 1300 متر، إضافة إلى توفير وسائل نقل برية متعددة.
ثانيًا: التصميم
المتحف تحفة معمارية مبهرة، أُنشئ على مساحة 117 فدانًا (نحو 491 ألف متر مربع)، ويضم ثلاث قاعات رئيسية و12 قاعة داخلية، وقاعة الدرج العظيم، فضلًا عن قاعات الملوك والملكات.
ثالثًا: المحتوى
سيضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من العصور المصرية القديمة، واليونانية، والرومانية، جُمعت من جميع المتاحف المصرية، ليكون وعاءً جامعًا لمختلف العصور، وشاهدًا على أن مصر مهد الحضارات.
ومن أبرز المعروضات: تمثال الملك رمسيس الثاني الذي نُقل من ميدان رمسيس، وتمثال ابنه الملك مرنبتاح، وتمثالان لملك وملكة من العصر البطلمي. وسيعرض المتحف كامل مقتنيات الملك الذهبي توت عنخ آمون لأول مرة في التاريخ، وعددها 5398 قطعة، معظمها نُقل من مقبرة وادي الملوك بالأقصر. كما سيضم مراكب الملك خوفو الأثرية بعد ترميمها، إضافة إلى متحف خاص للأطفال.
رابعًا: الافتتاح
أُجريت مراسم التشغيل التجريبي للمتحف في 16 أكتوبر 2024، بمناسبة مرور قرنين على افتتاح المتحف القديم. وكان من المقرر افتتاحه رسميًا في 3 يوليو 2025، إلا أن الموعد أُجِّل لأسباب سياسية وإدارية لا علاقة لها بمصر، ثم حُدد الموعد الجديد ليكون مطلع نوفمبر 2025، بحضور رؤساء دول وشخصيات دولية وخبراء في السياحة والآثار، في احتفال استثنائي يليق بأحد أكبر متاحف العالم.
وفي الختام، فإن تشييد المتحف المصري الجديد لم يكن فقط حلم الأجداد، بل أيضًا حلم الأحفاد، خاصة مع تنامي الوعي بالموروث الحضاري. وقد أُنشئ المتحف لرد الاعتبار لآثارنا وتوثيق كامل لحضارة مصر منذ العصور الأولى وحتى ما بعدها، في قلب أقدم منطقة أثرية على أرض مصر.

