“أحداث فارقة في تاريخ مصر الحديث” .. شاهد من أهلها.. سيرة من الضفة الأخرى

الحلقة الثانية من كتاب
“شاهد من أهلها: سيرة من الضفة الأخرى”
بقلم العميد/ خالد سلامة
الخبير الأمني
انفراد جديد… يكشف كواليس وأسرار تُروى لأول مرة
فقط على “الجسر”… منصة تعبر معك إلى المستقبل.
الحلقة الثالثة
في هذه الحلقة من مذكرات العميد خالد سلامة، نتابع رحلة انتقاله من الحياة المدنية إلى الميدان الأمني، مرورًا بمحطات هامة شكلت وعيه المهني والوطني، وصولًا إلى أحداث فارقة في تاريخ مصر الحديث.
البداية في كلية الشرطة:
لم تمر سوى بضعة أسابيع، وكانت النتيجة — والحمد لله — تم قبولي بكلية الشرطة، وكانت هذه نقطة الانطلاق.
خلال أيامي الأولى بالكلية، لم أكن أتكلم، فقط أسمع وأساعد وأتعلم. خلال فترة الـ 45 يومًا الأولى، والتي لا نخرج فيها من الكلية نهائيًا، هي فترة تحولك من الحياة المدنية الناعمة المرفهة إلى الحالة العسكرية بكل نظامها وانضباطها والتزامها؛ من أول حلاقة الشعر وحتى الاستيقاظ مبكرًا، والتدريبات، والمحاضرات، كل شيء بنظام ووقت محدد، حتى تناول الطعام ومواعيد النوم والاستيقاظ.
زيارة استثنائية من وزير الداخلية:
أتت أول زيارة بعد أسبوعين، وحضر أبي وأمي وتحدثنا كثيرًا، وإذا باللواء زكي بدر، وزير الداخلية آنذاك، يحضر الزيارة ويمر بين أهالي الطلبة حتى شاهد والدي، فتوجه إلينا، وكانت مقابلة مختلفة عن مقابلته التي حضر فيها لرؤية والدي أثناء مرضه، فاليوم هو وزير الداخلية وأنا طالب في كلية الشرطة بالعام الأول. وقفت انتباه، وإذا به يضع يده على كتفي ويتحدث إلي كأب، ويطلب مني أن أكون نموذجًا كأبي وعمي.
القيم التي رسختها الكلية:
مرت بي أعوام الكلية، وبداخلي تتكون مجموعة معانٍ حقيقية عن الأمن والاستقرار والتضحية والثبات على المبدأ وتحقيق العدل والانتصار للحق. ورسخ في وعيي ووجداني أن الأمن سلعة غالية جدًا، وأنه ضروري للاستقرار والطمأنينة وإشاعة الثقة والمحبة بين الناس، وأن مخاطر غياب الأمن لا أحد يستطيع تحمل تبعاتها، وأن الأمن إحساس وشعور قبل أن يكون قوة. وتعلمت أيضًا أن أهم عناصر تحقيق الأمن هو توقع المخاطر قبل حدوثها.
مرت سنوات كليتي الأربعة، وجاءت لحظة تخرجي أخيرًا، وكانت رائعة، حضرها السيد الرئيس، وما أن انتهينا من تلاوة القسم حتى استعددت لاستقبال حياتي الجديدة.
من العمليات الخاصة إلى مباحث أمن الدولة:
كان أول عمل لي بعد تخرجي في كتيبة الدعم بالعمليات الخاصة، وفي تلك الفترة، ورغم قصرها، تعلمت كيف يكون الشعور وأنت ضابط صغير لكنك تقود مجموعة من الجنود، كان تدريبًا صغيرًا على القيادة وعلى وحدة الصف، ففي وقت المأمورية الكل واحد. حبي للمجندين وحب المجندين لي، والتفوق في التدريب والمأموريات، جعلني أحصل على المركز الأول كأفضل فصيلة في القطاع.
لكنني لم أمكث في العمليات الخاصة كثيرًا، فما هي إلا بضعة أشهر حتى تم ترشيحي للعمل بجهاز مباحث أمن الدولة، ذلك الجهاز الذي كان لعمي — رحمه الله — السبق في تأسيسه، والذي وضع بداخلي منذ الصغر خطورته وأهميته الشديدة لحماية البلاد.
مدرسة الكبار:
كان التحاقي بالعمل بجهاز مباحث أمن الدولة مسؤولية كبيرة، فهو ليس مكانًا عاديًا، وقد تعلمت في هذا الجهاز الكثير والكثير، وأثر في بشكل كبير. فالتحاقي به من الصغر جعلني أكبر على مفاهيم وأساليب عمل مختلفة، كما أسس في داخلي دعائم الوطنية وحب البلد وناسها والدفاع عنهم، وفتح مداركي أكثر وأكثر، وجعلني أتعلم جمع المعلومات وبحثها والتأكد منها والعمل عليها بتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، وكذلك قوة التركيز وضبط النفس وحرفية الاستجواب والمناقشات وإدارة الأزمات وإيجاد الحلول والتصرف السريع في أصعب المواقف، وتغليب حماية الوطن على كل شيء. فأنت تعمل للوطن ولصالح البلاد وأمنها وأمن شعبها، كما أنك تلتزم دائمًا بوضع كافة المعلومات الصحيحة والأخبار والرؤى أمام القيادة السياسية دونما انحياز، وبشكل واضح وبمنتهى الشفافية والصدق، لتمكن القيادة السياسية من وضع السياسات التي تخدم صالح الوطن والشعب.
وكان من حظي أن يكون عمي هو من شكّل في داخلي عمق وقوة هذا العمل، ومن حظي أيضًا أنني تعلمت وتتلمذت على يد عتاولة هذا الجهاز وأساطيره، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
اللواء مصطفى عبد القادر، واللواء رضا عبد العزيز، واللواء أحمد العادلي، واللواء فتحي طايل (الذي حصل على شهادة تقدير وشكر من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أثناء زيارته لمصر)، واللواء مصطفى عبد الحسيب، واللواء جلال قاسم، واللواء أحمد رأفت، واللواء علي سامح، واللواء سامح توفيق، واللواء هاني العزبي، واللواء يسري العبد، واللواء كمال السيد، وغيرهم من القيادات العظيمة. وهم جميعًا من الشخصيات البارزة الفريدة، منهم من أصبح وزيرًا، ومنهم من أصبح محافظًا، ومنهم من تولى مناصب قيادية أخرى، ومنهم بالطبع معلمي اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، واللواء محمود توفيق وزير الداخلية الحالي.
كل هذه القيادات أثرت فيّ وتعلمت منهم الكثير والكثير، منهم من كان قدوة ومثالًا حقيقيًا أحتذي به، ومنهم من تعلمت منه كيف تكون ضابط أمن سياسي حقيقي، ومنهم من شرفت بالعمل تحت قيادته. وأعترف أني كنت محظوظًا برؤية والعمل والتعلم من هذه القامات الوطنية.
كل هذا مر علي كشريط أحداث تُكتب فيه كتب وليس صفحات، حينما كنت أشاهد حلقة الفض، حيث أنني شاركت أثناء وقبل فض النهضة في الواقع، وكنت شاهد عيان على كل دقيقة وتفصيلة صغيرة قبل الكبيرة.
وبصرف النظر عن أحداث الدراما في المسلسل، فقد وجدت نفسي أعيش تفاصيلها وكأنني داخلها، فقلت: كيف لا أوثق هذه الأحداث بكل تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، بما عرفه الناس منها وما لم يعرفوه؟ هناك وقائع لا يعلمها سوى أصحابها، منهم من استشهد ومنهم من ما زال على قيد الحياة، منهم من يمتلك القدرة على الكتابة والتعبير، ومنهم من لا يجيد ذلك.
لقد كانت تلك من أصعب فترات مصر في العصر الحديث، وللأجيال القادمة الحق في معرفة الحقيقة، بداية من حادث خالد سعيد، مرورًا ببدء الدعوة للنزول إلى الشارع، وصولًا إلى لحظتنا الراهنة بكل تحدياتها العظيمة وبنيتها المعقدة. أقف بكم على الضفة الأخرى لأحكي لكم من زاوية مختلفة ما لم يروه أحد، كشهادة أمام الله والوطن والناس.
حادث كنيسة القديسين:
القديسين — الجمعة 31/12/2010 وصباح السبت 1/1/2011
كنت حينها مشرف خدمات كنائس منطقة بولاق الدكرور خلال فترة أعياد المسيحيين ورأس السنة، وكان عدد الكنائس في الدائرة ثمانٍ، والإشراف على خدماتها مهمة ليست سهلة على الإطلاق؛ إذ تشمل متابعة جميع كنائس المنطقة، والتأكد من يقظة كل الخدمات من ضباط وأفراد وقوات، إلى جانب متابعة الإخطارات على الأجهزة اللاسلكية والتعامل مع أي موقف طارئ، والربط المستمر مع جميع الضباط المكلَّفين بالخدمات حتى انتهاء المهمة.
وبولاق الدكرور من الأحياء التي نادرًا ما تشهد مشكلات أو نزاعات طائفية، بل يعيش المسلم بجوار المسيحي، والمسجد بجوار الكنيسة، كحال مصر كلها. لكن، وبغض النظر عن ذلك، فإن التأمين لا يعتمد على هذا الهدوء، بل يتطلب دائمًا الاستعداد الكامل وفرض عنصر المفاجأة، خصوصًا في تلك الفترة الحساسة التي أعقبت واقعة خالد سعيد في يونيو 2010، وانتشار الحديث عن ظروف القبض عليه والتعامل معه وملابسات وفاته.
في تلك الأجواء، أطلق وائل غنيم — مهندس الكمبيوتر والناشط المصري العامل في شركة جوجل — ومعه الناشط عبد الرحمن منصور صفحة “كلنا خالد سعيد” على فيسبوك، التي دعت إلى إلغاء قانون الطوارئ، وبدأت في حشد الرأي العام حتى وصلت إلى نحو 4 ملايين متابع. كانت الأحداث تتسارع بشكل ملحوظ، وشعرت حينها أن شيئًا كبيرًا يقترب.
وفجأة، دخلت جميع الأجهزة الأمنية في حالة استنفار قصوى. كانت العمليات تنادي على جميع القيادات والخدمات. مساعد الوزير، مدير الأمن وقتها اللواء أسامة المراسي — الذي كنت أعرفه من فترة عمله بجهاز مباحث أمن الدولة — كان يتحدث بنفسه عبر الجهاز مع المشرفين وخدمات الكنائس على مستوى الجيزة.
كنت واقفًا أمام إحدى الكنائس مع أحد ضباط المباحث من الإسكندرية، فقال لي فجأة: “في حادث كبير في إسكندرية”. بعدها مباشرة رن هاتفي المحمول:
– العمليات: خالد بك.
– أنا: أيوه.
– العمليات: السيد المساعد مع حضرتك.
– المساعد (بصوت اللواء أسامة المراسي): خالد، إيه الأخبار عندك؟
-أنا: الحمد لله يا فندم، الضباط والأفراد والقوات والخدمات كلها تمام.
– المساعد: مفيش راحة يا خالد، هنلف على كل الخدمات لغاية الصبح مع الضباط والقوات لحد انتهاء الخدمة.
-أنا: حاضر يا فندم. هو في حاجة؟ أنا سمعت… (لم أكمل).
– المساعد: في حادث إرهابي كبير في إسكندرية، انتحاري فجر نفسه بكمية كبيرة من المتفجرات قدام كنيسة القديسين. لحد دلوقتي حوالي 20 قتيل وأكثر من 70 مصاب، والسيد الوزير أعلن حالة الطوارئ “ج”.
(حالة الطوارئ “ج” تعني إلغاء جميع الراحات والإجازات ووضع القوات في حالة تأهب قصوى).
تداعيات الحادث:
كان حادث القديسين صادمًا، ليس فقط لأنه وقع في أيام الأعياد، بل لأنه جاء في الإسكندرية، المدينة التي شهدت وفاة خالد سعيد، ولأن عدد الضحايا كبير، ولأن العملية كانت تفجيرًا انتحاريًا في وقت كان الإحساس العام فيه مليئًا بالتوتر والقلق.
ظهر وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي في حوار صحفي بجريدة الأهرام — رغم أنه من الوزراء المقلين في الظهور الإعلامي، إذ كان يكتفي بحوار تلفزيوني واحد مع مفيد فوزي كل عام في عيد الشرطة. كان قليل الكلام حتى في العمل، يستمع أكثر مما يتحدث، وهذه سمة لدى ضباط الأمن السياسي، لكنه كان صاحب طبيعة خاصة.
أتذكر أيضًا فترة المراجعات الفقهية مع الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي في أواخر تسعينات القرن الماضي، حين كان العادلي يستمع حتى للضباط الصغار — وكنت واحدًا منهم — ويمنح الفرصة للمناقشة، حتى تمكنا من الحد من الهجمات الإرهابية.
في عدد جريدة الأهرام بتاريخ 24 يناير 2011، تحدث العادلي وحدد هوية الانتحاري، وأعلن القبض على 19 آخرين من تنظيم القاعدة، وشرح أهداف الحادث، وتناول نشاط القاعدة، وألمح — بشكل غير مباشر — إلى أحداث تونس وحالة المنطقة عمومًا، والتطورات في التنظيمات التكفيرية والجهادية.
كما أدلى البابا شنودة بتصريحات تحدث فيها عن محاولات إثارة الفتنة، وأصدر النائب العام قرارًا بحظر النشر في تحقيقات الكنيسة، فيما صرّح رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف بأن حادث القديسين يستهدف إحداث فتنة في مصر، رافضًا التدخل الأجنبي.
نهاية الحلقة الثالثة:
كانت سرعة هذه الأحداث وكثافتها تزيد إحساسي بما هو قادم.



