الجمهورية الجديدة وتغيير مفهوم الإعاقة في المجتمع المصري

بقلم / عمرو هريدي – رئيس مجلس إدارة جمعية متميزون بإختلاف
شهدت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية غير مسبوقة في ملف حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث أعادت الجمهورية الجديدة صياغة مفهوم الإعاقة من كونها عبئًا اجتماعيًا إلى كونها قضية تمكين وحقوق ومشاركة فاعلة في بناء الوطن.
ولم يكن هذا التحول مجرد شعارات، بل تُرجم إلى خطوات تشريعية ومؤسسية ومجتمعية واضحة، جعلت من الأشخاص ذوي الإعاقة شركاء حقيقيين في الحياة العامة، بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء.
الدستور المصري 2014: الأساس الحقيقي للتمكين
جاء الدستور المصري لعام 2014 ليضع حجر الأساس لهذا التحول، من خلال المادة (81) التي أكدت التزام الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة صحيًا، وتعليميًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا، ودمجهم في المجتمع على قدم المساواة مع غيرهم.
ولأول مرة، لم تعد حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مجرد وعود، بل أصبحت التزامًا دستوريًا على عاتق الدولة.
المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة: رسم السياسات من الداخل
وفي إطار بناء مؤسسات قوية للجمهورية الجديدة، تم إنشاء المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة ليكون الجهة الوطنية المسؤولة عن:
رسم السياسات العامة
متابعة تنفيذ القوانين
الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
التنسيق بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني
ليصبح المجلس هو الصوت الرسمي الأول المعبر عن قضايا الإعاقة داخل الدولة المصرية.
قانون رقم 10 لسنة 2018: نقلة تشريعية تاريخية
يُعد صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 علامة فارقة في تاريخ التشريع المصري، كأول قانون شامل ينظم:
الحقوق
الواجبات
آليات التمكين
العقوبات على التمييز
وهو ما نقل ملف الإعاقة من إطار الرعاية إلى إطار الحقوق والمساءلة.
تمثيل ذوي الإعاقة في البرلمان: صوت رسمي داخل الدولة
من أهم إنجازات الجمهورية الجديدة، هو التمثيل الدستوري للأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس النواب، ليصبحوا:
مشاركين في التشريع
مراقبين للسياسات العامة
مدافعين عن قضاياهم من داخل المؤسسة التشريعية
وهو أمر لم يكن متخيلًا في فترات سابقة، لكنه أصبح واقعًا ملموسًا يعكس إرادة سياسية حقيقية.
قادرون باختلاف: رسالة دولة ومجتمع
جاءت احتفالية “قادرون باختلاف” تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتكون رسالة واضحة بأن:
الدولة تؤمن بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة
التمكين ليس منحة بل حق
الاختلاف مصدر قوة لا ضعف
وأصبحت هذه الاحتفالية رمزًا لتغيير النظرة المجتمعية للإعاقة في مصر.
الأحزاب السياسية والمجتمع المدني: دور متنامٍ
امتد التمكين إلى الحياة السياسية والحزبية، حيث بدأت عدة أحزاب في:
إنشاء أمانات متخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة
إشراكهم في وضع السياسات الحزبية
إعداد كوادر سياسية من ذوي الإعاقة
أما على مستوى المجتمع المدني، فقد شهدت مصر بروز جمعيات أهلية:
يديرها أشخاص ذوو إعاقة
ترسم سياسات محلية وعامة
تعمل على التمكين المستدام لا الرعاية المؤقتة
وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في الوعي المجتمعي.
من الخجل إلى المشاركة
في الماضي، خاصة في بعض الأقاليم، كانت هناك أسر تخشى إظهار أبنائها من ذوي الإعاقة خوفًا من الوصم المجتمعي، في ظل غياب الدعم والتمكين.
أما اليوم، ومع تطور دور الدولة والمجتمع المدني، أصبح:
الظهور حقًا
والمشاركة واجبًا
والتمكين واقعًا يُبنى عليه مستقبل أفضل
خاتمة
إن ما تحقق في ملف الأشخاص ذوي الإعاقة داخل الجمهورية الجديدة يؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا عبئًا على المجتمع، بل قوة فاعلة في بنائه، وأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع بإرادة واعية، وتشريعات عادلة، ومشاركة حقيقية.
وستظل الجمهورية الجديدة نموذجًا حيًا على أن التمكين الحقيقي يبدأ بالإيمان بالإنسان، أيًّا كانت قدراته.

