إعادة صياغة الاقتصاد المصري… من إدارة الأزمات إلى تعظيم العائد

بقلم: المهندس عماد عوني – خبير أسواق المال والأعمال
تشهد الدولة المصرية منذ سنوات مسارًا إصلاحيًا جادًا لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وهو مسار لا يمكن فصله عن رؤية مصر 2030 التي تستهدف بناء اقتصاد متوازن، مستدام، وقادر على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية. ومع دخولنا مرحلة جديدة من التخطيط حتى عام 2030، تصبح إعادة صياغة أدوات إدارة الاقتصاد ضرورة، وليس خيارًا.
أحد أهم الملفات التي تتطلب إعادة نظر هو ملف الدين العام. فالدين في حد ذاته ليس خطرًا إذا ما وُجِّه إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي واضح، قادرة على توليد تدفقات نقدية تُسهم في سداد أعبائه وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد القومي. الإشكالية لا تكمن في حجم الاقتراض، بل في كيفية استخدامه وربطه بمؤشرات أداء واضحة وعائد قابل للقياس.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تحليل أوجه الصرف للأربع سنوات المقبلة حتى 2030، بحيث يتم توجيه الإنفاق العام نحو قطاعات قادرة على تحقيق عائد اقتصادي مباشر أو غير مباشر، مع إحكام التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة لتفادي أي تداخل أو ازدواجية قد تؤدي إلى فقدان الموارد أو إهدار الفرص الاستثمارية.
الإطار الأول: تعظيم كفاءة الموازنة العامة
تعظيم الميزانية الداخلية للموازنة العامة المصرية لا يعني زيادة الأعباء، بل يعني رفع كفاءة الإنفاق العام، وربط كل بند إنفاق بهدف اقتصادي محدد. كما أن دمج الهيئات الاقتصادية المتشابكة في نفس الأنشطة يُعد خطوة ضرورية لتقليل الهدر الإداري، وتحقيق وفورات الحجم، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، خاصة في القطاعات الإنتاجية والخدمية الكبرى.
الإطار الثاني: تطوير النظام الضريبي دون تحميل المواطن أعباء جديدة
تعظيم العائد الضريبي لا يجب أن يتم من خلال زيادة الضرائب على المواطنين أو الضغط على الطبقات المنتجة، بل عبر توسيع القاعدة الضريبية وفتح شرائح جديدة كانت خارج المنظومة لسنوات طويلة.
ومن هنا تظهر أهمية إطلاق نظام ضريبي استثماري جديد يستهدف شريحة تُقدّر بنحو 10 ملايين مواطن خارج إطار الضرائب والتأمينات، من خلال أدوات مبسطة، رقمية، ومحفزة، تدمج الاقتصاد غير الرسمي دون صدام، وتعوض الفاقد الضريبي السابق بشكل عادل ومستدام.
السياحة: من مورد تقليدي إلى قاطرة تنموية
ملف السياحة لا يزال أحد أهم مفاتيح تعظيم العائد الدولاري من الناتج القومي. إلا أن تعظيم هذا العائد يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمسارات والبرامج السياحية، وربطها بالتنمية الاقتصادية والتجارية في عموم المحافظات، وليس الاقتصار على المقاصد التقليدية فقط.
كما أن إنشاء آليات جديدة لاستيعاب السائحين، وتطوير منظومات النقل الداخلي، والسكن والإقامة، يفتح الباب أمام أسواق سياحية جديدة ويُضاعف القدرة الاستيعابية، بما ينعكس مباشرة على ميزان النقد الأجنبي.
الصناعة: بوابة الاستقلال الاقتصادي
فيما يخص الصناعة، فإن أحد أهم التحديات هو غياب خريطة صناعية موحدة. والحل يبدأ بإنشاء منصة إلكترونية قومية تربط جميع المناطق الصناعية، مع تخصيص صفحة لكل محافظة توضح طبيعة الصناعات القائمة والفرص المتاحة، بما يتيح للمستثمرين التخطيط الواعي والتكامل بدل التكرار.
كما أن وضع خطة صناعية مركزة لتعظيم نسب التصنيع المحلي في عدد محدود من القطاعات الاستراتيجية – مثل الأجهزة المنزلية، السيارات، ومواد البناء – يُعد أكثر فاعلية من تشتيت الجهود. على أن يتم توجيه القروض والحوافز المالية لاستكمال سلاسل القيمة وزيادة المكون المحلي بشكل تدريجي ومدروس.
ختامًا
إن إعادة صياغة الاقتصاد المصري ليست مجرد إجراءات مالية أو قرارات إدارية، بل رؤية متكاملة تقوم على تعظيم العائد، إحكام التنسيق، وتوجيه الموارد حيث تكون القيمة المضافة أعلى. ومع الإرادة السياسية، والقدرة المؤسسية، يمكن لمصر أن تدخل 2030 باقتصاد أكثر قوة، واستقلالًا، وقدرة على النمو المستدام.

