مقالات

أولويات البرلمان الجديد بين التنمية المحلية والاستقرار المجتمعي

بقلم: المهندس عبد الحميد بطيخ – الخبير الاقتصادي ورائد العمل المجتمعي وقضايا التنمية وحقوق الإنسان

مع اقتراب تشكيل مجلس النواب الجديد، تتجه أنظار الشارع المصري إلى الدور المنتظر من السلطة التشريعية القادمة، في مرحلة تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية والوعي بطبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، والسعي الجاد نحو تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة يشعر بها المواطن في كل ربوع الوطن.

ويأتي على رأس الملفات التي يجب أن يوليها مجلس النواب القادم أولوية قصوى، قانون الإدارة المحلية، باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق التنمية الشاملة. فالمحليات ليست مجرد وحدات خدمية، بل هي العمود الفقري للتنمية المتوازنة، وبوابة حقيقية لتمكين المجتمعات المحلية، خاصة في محافظات الصعيد التي عانت لعقود طويلة من فجوات تنموية واضحة.

إن إصدار قانون عصري للإدارة المحلية يضمن اللامركزية، ويعزز صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة، ويُحسن كفاءة إدارة الموارد، ومن شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في مستوى الخدمات، ويخلق فرص عمل حقيقية، ويعيد توزيع مكتسبات التنمية بعدالة.

كما لا يقل أهمية عن ذلك قانون الأحوال الشخصية، الذي يمثل حجر الأساس لاستقرار الأسرة المصرية. فالتحديات الاجتماعية المتزايدة، وارتفاع معدلات النزاعات الأسرية، تفرض ضرورة إصدار تشريع متوازن وعادل، يراعي حقوق جميع الأطراف، ويحفظ كيان الأسرة، ويضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات.

إن إعادة صياغة هذا القانون بروح عصرية، وبحوار مجتمعي واسع، من شأنه أن يسهم في تعزيز السلم الاجتماعي والاستقرار المجتمعي، وهما ركيزتان أساسيتان لأي عملية تنموية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن مجلس النواب القادم مطالب بالعمل على تشريعات تدعم تسريع عجلة الإنتاج، وتشجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتزيل العقبات البيروقراطية التي ما زالت تعيق بعض القطاعات. فمرحلة البناء الاقتصادي تتطلب بيئة تشريعية محفزة، تُشجع الصناعات الوطنية، وتدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفر مناخًا آمنًا وجاذبًا للمستثمرين، بما ينعكس بشكل مباشر على معدلات التشغيل وتحسين مستوى المعيشة.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الحكومة القادمة، التي يجب أن تضع محافظات الصعيد في قلب أولوياتها. فالتحديات التي تواجه الصعيد، سواء في مجالات التعليم، أو الصحة، أو البنية التحتية، أو فرص العمل، تحتاج إلى سياسات خاصة ورؤى غير تقليدية.

الاهتمام بالصعيد لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية الهائلة التي تزخر بها هذه المحافظات.

ختامًا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تكاملًا حقيقيًا بين مجلس النواب والحكومة، يقوم على تشريعات واقعية، ورقابة فعالة، وإرادة سياسية منحازة للمواطن. فبناء دولة قوية لا يتحقق إلا بمؤسسات تشريعية واعية، وحكومة قادرة على تحويل القوانين إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية، من أقصى الشمال إلى قلب الصعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى