مصر تعيد التحالف العربي من جديد

بقلم/ اللواء – حسام سلامة
بالأمس القريب فاجأنا الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارته إلى الأراضي السعودية، واللافت أن الزيارة جاءت وسط ترحيب كبير، إذ خرج ولي العهد السعودي بنفسه لاستقبال الرئيس المصري، وظل في انتظاره حتى توقفت الطائرة المصرية وفتحت أبوابها، ليظهر الرئيس السيسي في مشهدٍ حرص فيه ولي العهد على استقباله بحفاوة بالغة. ثم استقلا معًا سيارة يقودها ولي العهد بنفسه، من دون أي مرافقة أو بروتوكولات رسمية قد تُعكر صفو اللقاء، وهو ما يعكس عمق الاستقبال ورغبة واضحة في طي أي توترات سابقة وإغلاق الباب أمام الشائعات التي انتشرت عن العلاقات بين البلدين.
وهنا يبرز السؤال: لماذا جاءت الزيارة في هذا التوقيت تحديدًا؟
للإجابة، يجب النظر إلى ما يجرى في المنطقة حاليًا. فالكيان الإسرائيلي ما يزال يسعى في مخططاته لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ويمضي في محاولاته للسيطرة على ما تبقى من قطاع غزة، بهدف خلق قنبلة بشرية تدفع الفلسطينيين دفعًا نحو الحدود المصرية بحثًا عن الغذاء والماء. وفي الوقت نفسه، يعرقل الاحتلال كل محاولات السلام، ساعيًا إلى فرض أمر واقع يخدم مصالحه، بينما الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب تُدير ظهرها تمامًا لما يحدث وتقدم دعمًا غير محدود لإسرائيل.
الزعيم العربي الوحيد القادر حاليًا على الحديث المباشر مع ترامب والتأثير في مواقفه هو ولي العهد السعودي، الذي وُجهت له دعوة رسمية لزيارة واشنطن في نوفمبر المقبل، وهو ما يضاعف أهمية هذا التنسيق المصري–السعودي في المرحلة الراهنة.
من جهة أخرى، هناك حرص إسرائيلي على العودة إلى المواجهة مع إيران، بعد فشل حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة في تحقيق أهدافها، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو بوقف برنامجه النووي. عودة المواجهة هذه المرة قد تكون أكثر خطورة مع استنفاد كل الأوراق السياسية والدبلوماسية، ما ينذر بتصعيد عسكري غير مسبوق.
وقد أدرك القادة العرب، خاصة بعد زيارة ترامب الأخيرة للشرق الأوسط ومواقفه المنحازة، أن إعادة بناء التحالف العربي باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل، وأن وحدة الصف بين القاهرة والرياض تحديدًا تمنح المنطقة قوة سياسية وعسكرية حقيقية، باعتبارهما أكبر دولتين عربيتين، وتشكلان معًا ركيزة توازن أساسية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد حملت الزيارة نجاحات ملموسة؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية نحو 5.9 مليار دولار بزيادة 21% عن عام 2024. كما تمتلك السعودية وديعة قدرها 10 مليارات دولار لدى مصر، ويجري الاتفاق على تحويلها إلى استثمارات، وهو ما قد يسهم في تخفيف أعباء الدين الخارجي. إضافة إلى ذلك، تبلغ الاستثمارات السعودية في مصر نحو 34 مليار دولار من خلال 800 شركة، مع اتجاه لزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يعزز من متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
الأمر الأبرز في الاتفاقيات المعلنة هو تطوير خط سوميد، الذي أُنشئ عام 1974 لربط العين السخنة بميناء سيدي كرير، لنقل النفط الخام بطاقة تصل إلى 60 مليون طن سنويًا. التطوير الجديد يستهدف رفع كفاءته ليمتد لنقل الغاز الطبيعي وغاز الهيدروجين، وهو مشروع استراتيجي يخدم الاقتصادين المصري والسعودي معًا، ويُعد في الوقت ذاته ضربة قوية لمشروع “ممر التنمية” الذي يربط الهند مرورًا بالسعودية وصولًا إلى إسرائيل عبر الأردن، لتصدير المنتجات عبر السكك الحديدية وخطوط الطاقة. هذه الخطوة تمثل مؤشرًا واضحًا على ابتعاد المملكة عن أي مشاريع تطبيع اقتصادي مع إسرائيل، وتأكيدًا على التزامها بالعمق العربي.
إنها زيارة مهمة بكل المقاييس، تحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة، وتؤكد من جديد متانة العلاقة المصرية–السعودية، وتعيد إحياء فكرة التحالف العربي القوي الذي تحتاجه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وتبقى مصر والسعودية دائمًا ركيزتي الأمة الإسلامية وعصب قوتها.

