العالم يُبصم بالعشرة…. مصر بوابة أفريقيا والشرق الأوسط

تحليل سياسي – بقلم اللواء / حسام سلامة
لم تعد القاهرة مجرّد عاصمة في قلب الشرق الأوسط، بل أصبحت في السنوات الأخيرة العقل السياسي والاقتصادي للمنطقة، والبوابة التي لا يمكن لأيّ قوة دولية أن تعبر منها نحو أفريقيا أو الشرق الأوسط دون المرور عبرها.
اليوم، يعترف الشرق والغرب معًا أن مصر هي الركيزة الاستراتيجية التي لا غنى عنها في أي معادلة تخص الأمن أو الاقتصاد أو النفوذ الإقليمي.
مصر.. نقطة التوازن بين الشرق والغرب
في زمنٍ يشهد استقطابًا حادًا بين المعسكرين الشرقي والغربي، اختارت مصر طريقًا مختلفًا: سياسة الحياد الذكي، التي تجمع بين الحفاظ على استقلال القرار الوطني، والانفتاح الواعي على جميع القوى.
فمن جهة، تسير العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بخطى ثابتة، قائمة على الشراكة لا التبعية، ومن جهة أخرى، تعمّقت الصلات مع روسيا والصين والهند، ضمن رؤية مصرية تستهدف تنويع الشركاء وتحقيق التوازن الاستراتيجي الذي يضمن لمصر حرية الحركة في عالم سريع التغير، وقد جعل هذا النهج القاهرة بوابة التعاون الآمن بين الشرق والغرب، لا ساحة صراع بينهما.
اتفاقيات وشراكات تؤكد المكانة
خلال الأشهر الأخيرة، كشفت الزيارات رفيعة المستوى والاتفاقيات الموقّعة عن تحوّل نوعي في إدراك العالم لدور مصر، ووضح ذلك في :
•زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بروكسل في أكتوبر 2025 جاءت تتويجًا لعلاقات مصرية أوروبية قوية، وأسفرت عن اتفاقية شراكة استراتيجية وحزمة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، لتصبح القاهرة الشريك الأوثق لأوروبا في مجالات الطاقة، والأمن، والهجرة المنظمة.
•كما استقبلت مصر وفودًا أمريكية رفيعة من حكومات الولايات والكونغرس لبحث التوسع في التعاون الزراعي والمائي والطاقة النظيفة.
•وفي المقابل، واصلت مصر توطيد شراكتها مع روسيا في مشروع الضبعة النووي، ومع الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق، حيث أصبحت قناة السويس أحد أهم مراكز النقل العالمية في المشروع.
كل هذه التحركات تؤكد أن القاهرة ليست متلقية للسياسات الدولية، بل صانعة لاتجاهاتها في الإقليم.
الاقتصاد المصري في قلب المعادلة
التحركات السياسية لم تأتِ بمعزل عن الاقتصاد فمصر اليوم تسعى لتصبح مركزًا عالميًا للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، وتحوّل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي ينعكس على معيشة المواطن.
القاهرة تدرك أن قوتها السياسية لن تكتمل إلا بصلابة اقتصادها، لذا تسعى لجذب الاستثمارات الأوروبية والأمريكية، بجانب الشراكات الشرقية في التصنيع والتكنولوجيا والطاقة الجديدة.
ومع هذه الاتفاقيات، يُنتظر أن تتدفّق رؤوس الأموال إلى قطاعات الزراعة والطاقة المتجددة والغاز الطبيعي والبنية التحتية، ما يفتح فرص عمل جديدة ويزيد من الاستقرار المالي والاجتماعي.
العالم يُدرك أن مصر هي مفتاح الإقليم
اليوم، وبعد عقود من التحديات، تفرض مصر حضورها بذكاء سياسي نادر؛
فلا مشروع دولي في الشرق الأوسط أو أفريقيا يمكن أن ينجح دون موافقتها أو مشاركتها.
وهذا ما عبّر عنه بوضوح القادة الأوروبيون والأفارقة في قمة بروكسل الأخيرة، حين أكدوا أن مصر هي الشريك الذي يُعتمد عليه في حفظ التوازن الإقليمي.
إنها رسالة واضحة للعالم:”من أراد التأثير في أفريقيا أو الشرق الأوسط، فعليه أن يبدأ من القاهرة.”
نظرة مستقبلية
تتحرك مصر اليوم بخطى محسوبة نحو بناء دور عالمي جديد، يوازن بين مصالح الشعب المصري، ومسؤولياتها الإقليمية، ومكانتها التاريخية. فهي لا تسعى فقط للنفوذ، بل لتأسيس نظام إقليمي أكثر استقرارًا وعدلاً، يكون للإنسان المصري فيه نصيب مباشر من نتائجه عبر تنمية اقتصاده ورفع مستوى معيشته.
وفي زمنٍ تتغيّر فيه خرائط التحالفات، تبقى مصر — بثباتها وحنكتها — الورقة الرابحة التي تحسب لها القوى الكبرى ألف حساب.

