مقالات

المسؤولية الاجتماعية للشركات: بين القوانين والتحديات وفرص التنمية

بقلم / الدكتورة شيماء الرفاعي

في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية السريعة، بات من الضروري أن تتجاوز الشركات في مصر دورها التقليدي المتمثل في تحقيق الأرباح فقط، لتصبح شريكًا فاعلًا في خدمة المجتمع وحماية البيئة.

فالمسؤولية الاجتماعية للشركات ليست مجرد واجب أخلاقي، بل تمثل استراتيجية ذكية تعزز الثقة بين الشركات والمجتمع وتدعم التنمية المستدامة على المدى الطويل.

ويأتي ذلك في إطار قانوني داعم، حيث يوفر قانون الضريبة على الدخل وقانون الاستثمار حوافز للشركات التي تستثمر في برامج اجتماعية وتنموية، كما تشجع الدولة هذه المبادرات من خلال شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص، وبرامج تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة ومعالجة التحديات الاجتماعية.

وهنا تعني المسؤولية الاجتماعية للشركات التزام الشركات بتوجيه جزء من أنشطتها لتحقيق منفعة اجتماعية ملموسة، سواء عبر برامج تعليمية وصحية أو بيئية، أو من خلال دعم المشروعات الصغيرة ورواد الأعمال الشباب. هذا الالتزام يحوّل الشركة من مجرد كيان اقتصادي إلى شريك تنموي فاعل، قادر على إحداث فرق حقيقي في حياة الأفراد والمجتمع.

وقد أثبتت التجارب الدولية نجاح هذا النموذج، حيث اعتمدت شركات مثل Unilever و Microsoft استراتيجيات شاملة للمسؤولية الاجتماعية، مما منحها ميزة تنافسية وزاد ولاء العملاء والمجتمعات المحلية.

وعلى المستوى الإقليمي، بدأت الدول العربية تولي المسؤولية الاجتماعية اهتمامًا متزايدًا. فقد قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة شوطًا كبيرًا في هذا المجال، من خلال إنشاء مجالس ولجان مختصة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، وإطلاق جوائز سنوية للشركات المتميزة. على سبيل المثال، تتبنى الغرفة التجارية والصناعية بالرياض جائزة سنوية للمسؤولية الاجتماعية، بينما أعلنت الإمارات عن لجنة تنفيذية أكاديمية متخصصة لتعزيز المسؤولية الاجتماعية في كافة المجالات المتعلقة بالقطاع الخاص. هذه التجارب توفر دروسًا مهمة للشركات المصرية في تنظيم برامجها وتحقيق أثر مجتمعي مستدام.

على الصعيد المحلي، يمكن للشركات المصرية أن تلعب دورًا بارزًا في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مثل البطالة والفقر وعدم المساواة في فرص التعليم والصحة، مع إيلاء اهتمام خاص بالفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا لضمان شمولية الأثر الاجتماعي.

وقد شهدت السنوات الأخيرة جهودًا متزايدة من البنك المركزي المصري والبنوك العامة والخاصة في إنشاء إدارات متخصصة للمسؤولية الاجتماعية، إلى جانب إطلاق مؤشر البورصة لتتبع أداء الشركات وفق الجوانب البيئية والاجتماعية. كما شاركت بعض الوزارات مثل البترول والصحة والتضامن الاجتماعي عبر بنك ناصر، واتحاد الصناعات المصرية في تشجيع برامج المسؤولية الاجتماعية، ما يعكس اهتمام الدولة بتوسيع نطاق المبادرات وتنظيمها.

رغم هذه الجهود، يواجه القطاع عدة تحديات. فـتعدد الجهات وتشتتها يصعّب تنسيق الجهود لتحقيق أثر مستدام، كما أن بعض الشركات تستخدم المسؤولية الاجتماعية لأغراض ترويجية أو دعائية سياسية، ما يقلل من مصداقية المبادرات. إضافة إلى ذلك، كثير من كبار رجال الأعمال يفضلون العمل الخيري من خلال مؤسساتهم الأهلية الخاصة أو في الخفاء، ما يقلل من الأثر العام على المجتمع، إلى جانب نقص الوعي المؤسسي وموارد محدودة تجعل دمج CSR في استراتيجية الأعمال تحديًا كبيرًا.

إن تفعيل المسؤولية الاجتماعية للشركات في مصر ليس خيارًا بل ضرورة وطنية واقتصادية. بالاستفادة من التجارب الدولية، والاستناد إلى الإطار القانوني الداعم من قوانين الضريبة والاستثمار، وتوسيع دور الدولة في التشجيع والتنظيم، ودمج CSR في استراتيجية الأعمال، يمكن للشركات المصرية أن تصبح محركات للتنمية المستدامة والاجتماعية، تعزز من صورتها العامة وتترك أثرًا إيجابيًا طويل الأمد على المجتمع والاقتصاد، محققة توازنًا بين الربح والمسؤولية وبين النجاح الاقتصادي والتنمية المجتمعية، ومواكبة أفضل الممارسات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى