الصعيد في قلب الدولة… قراءة في زيارة رئيس الوزراء لمحافظة المنيا وآفاق التنمية المستدامة في محافظة قنا

بقلم: المهندس عبد الحميد بطيخ
خبير أسواق المال والأعمال
تحمل زيارات رئيس مجلس الوزراء إلى محافظات الصعيد دلالات تتجاوز إطار المتابعة التنفيذية التقليدية، لتؤكد رؤية الدولة المصرية في إعادة رسم خريطة التنمية الشاملة، ووضع الصعيد في قلب معادلة النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وجاءت زيارة الدكتور مصطفى مدبولي إلى محافظة المنيا لتجسد هذا التوجه بوضوح، باعتبارها رسالة سياسية وتنموية مفادها أن الصعيد لم يعد هامشًا، بل شريكًا أصيلًا في بناء الجمهورية الجديدة.
الاهتمام بتنمية محافظات الصعيد يعكس إدراك الدولة لحجم الإمكانات الاقتصادية الكامنة في هذه الرقعة الجغرافية المهمة، سواء على مستوى الزراعة، أو الصناعة، أو التعليم، أو الاستثمار البشري. فالمنيا، بما شهدته من مشروعات تنموية وخدمية، تمثل نموذجًا لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية حين تقترن بالتخطيط العلمي والتنفيذ الجاد، خاصة في ملفات البنية التحتية، والصناعة، وتوفير فرص العمل.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تنمية الصعيد دون التوقف أمام محافظة قنا، باعتبارها واحدة من المحافظات الواعدة التي تمتلك مقومات اقتصادية وتعليمية فريدة، تؤهلها لتكون قاطرة تنموية حقيقية في جنوب مصر. فقنا ليست مجرد محافظة زراعية تقليدية، بل محافظة ذات بعد اقتصادي متنوع، يجمع بين الزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والأنشطة التعليمية والخدمية.
وقد شهدت محافظة قنا خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من الدولة، انعكس في تنفيذ عدد من المشروعات القومية والاستثمارية، وتطوير شبكات الطرق، ودعم المناطق الصناعية، وعلى رأسها منطقة نجع حمادي الصناعية، التي تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للصناعة في الصعيد، خاصة في مجالات السكر، والألومنيوم، والصناعات المغذية.
وباعتباري أحد أبناء مركز نجع حمادي بمحافظة قنا، أتابع عن قرب حجم التحولات الإيجابية التي تشهدها المحافظة، وأثمن الجهود التنموية التي تبذلها الدولة لإعادة الاعتبار للصعيد كمساحة إنتاج حقيقية لا تقل أهمية عن أي إقليم آخر. فتنمية الصعيد ليست مجرد عدالة اجتماعية، بل هي ضرورة اقتصادية تفرضها متطلبات النمو المستدام وتعظيم الاستفادة من الموارد.
كما أن قنا تمتلك رصيدًا مهمًا في مجال التعليم، بوجود مؤسسات تعليمية وجامعية قادرة على تخريج كوادر مؤهلة لسوق العمل، وهو ما يتطلب مزيدًا من الربط بين التعليم واحتياجات الاقتصاد المحلي، وتحفيز الاستثمار في رأس المال البشري، باعتباره الثروة الحقيقية لأي تنمية.
إن زيارة رئيس الوزراء للمنيا، وما تحمله من رسائل، يجب أن تُقرأ في إطار رؤية أشمل تستهدف بناء صعيد قوي، منتج، وقادر على المساهمة بفاعلية في الاقتصاد الوطني. فالدولة المصرية اليوم تراهن على الصعيد، وتضعه ضمن أولوياتها التنموية، وهو رهان في محله، إذا ما استمر بنفس الزخم والتكامل بين التخطيط والتنفيذ.
وفي النهاية، فإن مستقبل التنمية في مصر يمر حتمًا عبر الصعيد، بما يمتلكه من طاقات وإمكانات، وبما تحظى به محافظاته وعلى رأسها قنا من فرص واعدة تؤهلها لتكون نموذجًا تنمويًا متكاملًا في الجمهورية الجديدة حيث تدعم هذه الرؤية التنموية مجموعة من المؤشرات والأرقام التي تعكس حجم ما تحقق على أرض الواقع، حيث شهدت محافظات الصعيد خلال السنوات الأخيرة ضخ استثمارات حكومية بمئات المليارات من الجنيهات ضمن مشروعات «حياة كريمة» والبنية التحتية والتنمية الصناعية.
كما ارتفعت معدلات إنشاء المناطق الصناعية الجديدة، وزادت فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية والطاقة.
وفي محافظة قنا على وجه الخصوص، أسهمت المشروعات القومية في تحسين مؤشرات التنمية البشرية، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز مساهمة المحافظة في الناتج المحلي الإجمالي، لا سيما من خلال الصناعات الكبرى بنجع حمادي، والأنشطة الزراعية المرتبطة بسلاسل القيمة.
وهي مؤشرات تؤكد أن تنمية الصعيد لم تعد وعودًا أو خططًا مستقبلية، بل واقعًا اقتصاديًا ملموسًا، يرسخ دور هذه المحافظات كأحد محركات النمو الرئيسية للاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.



