قراءة في منتدى دافوس: الاقتصاد العالمي بين التحولات الكبرى ومكانة مصر الدولية

بقلم: المهندس عبد الحميد بطيخ
خبير أسواق المال والأعمال
جاء عقد منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في توقيت بالغ الحساسية، يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، فرضتها أزمات متلاحقة، من اضطرابات سلاسل الإمداد، وتباطؤ النمو العالمي، إلى النزاعات الجيوسياسية وتغير خريطة موازين القوى الاقتصادية.
ولم يعد المنتدى مجرد منصة للنقاش، بل مرآة تعكس اتجاهات الاقتصاد العالمي، ومؤشرًا حقيقيًا على أولويات الدول الكبرى في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تبرز المشاركة المصرية في منتدى دافوس باعتبارها مشاركة فاعلة تعكس مكانة الدولة المصرية الدولية، وقدرتها على الحضور بثقلها السياسي والاقتصادي وسط قادة العالم وصناع القرار.
فمصر لم تعد طرفًا متلقيًا للتغيرات العالمية، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا يطرح رؤية متكاملة للتنمية المستدامة، ويؤكد على الربط بين الاقتصاد وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، باعتبارها ركائز أساسية للاستقرار طويل الأمد.
وإذا تأملنا النقاشات التي شهدها المنتدى، نجد أن القاسم المشترك بينها هو البحث عن نماذج اقتصادية قادرة على الصمود، وهو ما يضع التجربة المصرية خلال السنوات العشر الماضية في موضع اهتمام.
فقد استطاعت الدولة المصرية، رغم التحديات الاقتصادية العالمية، أن ترسم لنفسها مسارات تنموية متعددة، شملت تطوير البنية التحتية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستثمار في رأس المال البشري.
وما يميز النموذج المصري هو اعتماده على رؤية شاملة لا تفصل بين الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. فبناء القدرات العسكرية جنبًا إلى جنب مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم يكن ترفًا، بل ضرورة فرضتها طبيعة التحديات الإقليمية والدولية. وهذا التوازن ساهم في حماية الاقتصاد الوطني من الانهيارات الحادة التي شهدتها دول أخرى، وجعل مصر أكثر قدرة على امتصاص الصدمات العالمية.
وفي دافوس، جاء الحديث الأمريكي وعلى رأسه تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعكس تقديرًا واضحًا للدور المصري المحوري في المنطقة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي. هذا التقدير لا ينفصل عن إدراك القوى الكبرى لأهمية مصر كقوة إقليمية مستقرة، تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات دولة قادرة على إدارة الأزمات، وشعبًا واعيًا بحجم التحديات التي تواجه بلاده.
كما أن حضور مصر في المنتدى حمل رسالة مهمة مفادها أن التنمية لا تنفصل عن الحقوق، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من استقرار المجتمعات، واحترام كرامة الإنسان، وبناء نظم اقتصادية عادلة تتيح الفرص للجميع. وهي رسالة تتسق مع ما شهدته مصر من إطلاق استراتيجيات وطنية تعزز حقوق الإنسان، وتربطها مباشرة بأهداف التنمية المستدامة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن منتدى دافوس هذا العام أكد أن الدولة المصرية أصبحت نموذجًا يُنظر إليه باحترام، ليس فقط لقدرتها على الصمود، بل لنجاحها في تحويل التحديات إلى فرص. فمصر اليوم ليست مجرد دولة تعبر الأزمات، بل دولة تملك رؤية، وتفرض حضورها، وتحظى بتقدير المجتمع الدولي، وهو ما يعكس مكانتها الحقيقية بين دول العالم.



