ما وراء خطف مادورو: النفط يعود إلى قلب الصراع وصناعة النظام العالمي الجديد

بقلم اللواء / حسام سلامة – الخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي
أثار الحديث عن عملية استهداف أو ما جرى تداوله إعلاميًا بوصفه “خطف” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حالة من الجدل والانقسام الحاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الدولية، ليس فقط بسبب خطورة الخطوة في حد ذاتها، بل لما تحمله من دلالات تتجاوز شخص مادورو، وتمتد إلى إعادة تشكيل النفوذ الأمريكي في أمريكا الجنوبية، وربما إلى إعادة صياغة ملامح النظام الدولي ككل.
انقسام عالمي حول العملية
منذ اللحظة الأولى، انقسم العالم إلى معسكرين واضحين.
المعسكر الأول رأى أن ما جرى – أو ما يُحاك – لا يخرج عن كونه بلطجة سياسية دولية، وانتهاكًا صارخًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتكريسًا لسياسة فرض النفوذ بالقوة، بما يمثل تهديدًا مباشرًا لقواعد القانون الدولي ويعيد إلى الأذهان نماذج تدخل تجاوزها الزمن.
في المقابل، اعتبر المعسكر الثاني أن ما يحدث هو استعراض قوة محسوب، ورسالة سياسية موجهة تؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على الفعل والحسم، وأن مرحلة التردد والانكفاء قد انتهت، لا سيما داخل محيطها الجغرافي المباشر.
هذا الانقسام لم يكن أخلاقيًا فقط، بل استراتيجيًا بامتياز؛ فالدول التي تخشى تمدد النفوذ الأمريكي رأت في الحدث سابقة خطيرة، بينما قرأه حلفاء واشنطن باعتباره إعادة ضبط لمعادلات الردع وتوازنات القوة.
ترامب ومبدأ النفوذ
تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الملف الفنزويلي من منطلق إعادة فرض النفوذ الأمريكي التقليدي، في انسجام واضح مع روح مبدأ مونرو، القائم على اعتبار أمريكا الجنوبية مجال نفوذ أمريكي مباشر.
والرسالة هنا تبدو واضحة: لا تمدد لقوى دولية منافسة، ولا أنظمة معادية في الجوار الأمريكي، ومن يخرج عن هذا الإطار يتحمل العواقب.
مكاسب ترامب من التحرك
التحرك تجاه فنزويلا، والحديث عن استهداف رئيسها، يحقق لترامب عدة أهداف داخلية وخارجية في آن واحد، أبرزها:
تنفيذ وعده الانتخابي المتعلق بمكافحة المخدرات العابرة للحدود، والظهور بمظهر الرئيس الحاسم القادر على اتخاذ قرارات صعبة.
استعادة جزء من شعبيته المتراجعة، وإعادة توحيد الحزب الجمهوري في مواجهة الديمقراطيين، لا سيما بعد محاولاتهم استعادة الحضور في المجالس النيابية الأمريكية.
توجيه رسالة قوة للخارج مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على إعادة ترتيب المشهد في محيطها الاستراتيجي متى أرادت.
النفط… جوهر الصراع الحقيقي
يبقى النفط هو العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد. فـ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدّر بنحو 300 مليار برميل، مقابل نحو 267 مليار برميل للسعودية. هذه الحقيقة تضع فنزويلا في قلب أي معادلة طاقة عالمية، وتجعلها هدفًا دائمًا للصراع السياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، يتضح أن الولايات المتحدة باتت تسيطر، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الجزء الأكبر من إنتاج النفط في أمريكا الجنوبية، حيث تقوم شركاتها بدور محوري في استخراج وتصدير النفط في دول مثل غيانا والبرازيل والمكسيك. هذا الواقع يفتح الباب أمام تغيرات جوهرية في مستقبل التحكم بسوق النفط العالمي، فضلًا عن تقليص قدرة فنزويلا على تصدير نفطها إلى الصين، أحد أبرز حلفائها الدوليين.
رسالة إلى روسيا والصين
لا يمكن فصل هذه التطورات عن بعدها الدولي الأوسع، إذ تمثل فنزويلا أحد أهم حلفاء روسيا والصين في القارة الجنوبية. ومن ثم، فإن أي ضغوط أو تحركات أمريكية ضد كاراكاس تحمل رسالة مباشرة إلى موسكو وبكين مفادها أن واشنطن بصدد استعادة زمام المبادرة، وإغلاق المساحات التي سمحت سابقًا بتمددهما داخل المجال الحيوي الأمريكي.
العملية والنظام العالمي الجديد
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى عن ملامح النظام العالمي الجديد الذي يتشكل على أنقاض التوازنات القديمة، حيث لم تعد السيادة وحدها ضمانة كافية، ولم يعد القانون الدولي الحكم النهائي في إدارة الصراعات. العالم يتجه نحو مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة المرنة، وتُستخدم فيها الطاقة والاقتصاد والنفوذ كأدوات حسم في صراع مفتوح على قيادة النظام القادم.
الخلاصة
وهكذا، فإن ما وراء الحديث عن خطف مادورو لا يقتصر على حدث أو رئيس أو دولة، بل يعكس صراعًا أوسع على إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي. نحن أمام لحظة انتقالية دقيقة، يُعاد فيها ترتيب مراكز القوة، ويُكتب فيها مستقبل النظام الدولي بلغة المصالح الصلبة، لا بالشعارات ولا بالقواعد القديمة.

