الاستدامة في الشبكات: كيف تتحول الاتصالات إلى “اتصالات خضراء”

بقلم / الدكتورة – ريهام يحيى
في عالم اليوم الذي يواجه تحديات بيئية متزايدة، لم يعد الاهتمام بالاستدامة مجرد خيار، بل أصبح ضرورة. وقطاع الاتصالات، الذي يمثل العمود الفقري للتحول الرقمي في كل المجالات، بدأ هو الآخر رحلة التحول نحو ما يُعرف بـ “الاتصالات الخضراء” (Green Telecom) — أي شبكات اتصالات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وأقل تأثيرًا على البيئة.
لماذا نحتاج إلى الاتصالات الخضراء؟
تشير التقارير الحديثة إلى أن شبكات الاتصالات عالميًا تستهلك نحو 2 إلى 3% من إجمالي الطاقة الكهربائية في العالم، وهي نسبة مرشحة للزيادة مع الانتشار الكبير لخدمات الإنترنت، ومراكز البيانات، وتقنيات الجيل الخامس والسادس. هذا الاستهلاك الضخم للطاقة يعني زيادة في انبعاثات الكربون، ما يجعل من الضروري البحث عن طرق لتقليل الأثر البيئي دون المساس بجودة الخدمة.
كيف تصبح الشبكات أكثر استدامة؟
التحول إلى الاتصالات الخضراء لا يعني مجرد استخدام طاقة متجددة، بل هو منهج متكامل يجمع بين التكنولوجيا والإدارة الذكية للموارد. ويمكن تلخيص أهم الأساليب في ثلاث نقاط رئيسية:
– تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في محطات الشبكة:
تعد محطات الإرسال (Base Stations) أكثر أجزاء الشبكة استهلاكًا للطاقة. لذلك تعمل الشركات على تطوير تقنيات ذكية تغلق أو تقلل استهلاك المحطات غير النشطة تلقائيًا في أوقات انخفاض الطلب.
مثال: في بعض دول أوروبا، تستخدم شبكات الجيل الخامس أنظمة ذكية تقلل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 20% أثناء فترات الليل.
– استخدام الطاقة المتجددة في تشغيل البنية التحتية:
بدأت شركات الاتصالات في تركيب ألواح شمسية وتوربينات رياح لتغذية محطات الإرسال ومراكز البيانات.
مثال: في الهند، تعتمد شركة “بهارتي إيرتيل” على الطاقة الشمسية لتشغيل آلاف الأبراج في المناطق الريفية، ما خفّض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل كبير.
– التحول إلى البنية السحابية (Cloud-native Networks):
من خلال نقل إدارة الشبكات إلى بيئات سحابية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يمكن تحسين توزيع الموارد وتقليل الهدر الطاقوي. الشبكات السحابية تسمح أيضًا بإغلاق الموارد غير المستخدمة فورًا، مما يقلل من استهلاك الكهرباء في الوقت الحقيقي.
الذكاء الاصطناعي.. العقل الأخضر للشبكات
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في جعل الشبكات أكثر استدامة. فبفضل قدرته على تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالاستخدام، يمكنه ضبط أداء الشبكة بشكل لحظي لتوفير الطاقة دون التأثير على الخدمة.
على سبيل المثال، تستخدم شركة “إريكسون” حلول ذكاء اصطناعي في شبكات الجيل الخامس لتقليل الطاقة المستهلكة في البنية التحتية بنسبة تصل إلى 40% في بعض السيناريوهات.
مستقبل الاتصالات الخضراء
مع اقتراب إطلاق الجيل السادس (6G)، ستصبح الاستدامة عنصرًا أساسيًا في تصميم الشبكات منذ البداية، وليس مجرد تحسين لاحق. فمن المتوقع أن تكون شبكات 6G “ذكية طاقويًا”، قادرة على تنظيم استهلاكها للطاقة ذاتيًا بحسب الظروف التشغيلية.
وربما في المستقبل القريب، نرى مدنًا ذكية تعمل بالكامل على شبكات اتصالات صديقة للبيئة، حيث تتكامل الاتصالات مع أنظمة الطاقة المتجددة لتقليل الانبعاثات وتحسين جودة الحياة.
باختصار:
التحول إلى الاتصالات الخضراء ليس رفاهية، بل هو خطوة أساسية لضمان استمرار التطور الرقمي دون الإضرار بكوكبنا. فكل واط يتم توفيره اليوم هو استثمار في مستقبل أكثر نظافة وكفاءة.

