غير مصنفقضايا وندوات

“شهادة ضابط عن بدايات 25 يناير: من بولاق إلى ناهيا” .. شاهد من أهلها.. سيرة من الضفة الأخرى

"الحلقة الرابعة: الشرارة التي مهدت للانفجار"

الحلقة الرابعة من كتاب
“شاهد من أهلها: سيرة من الضفة الأخرى”
بقلم العميد/ خالد سلامة
الخبير الأمني

انفراد جديد… يكشف كواليس وأسرار تُروى لأول مرة
فقط على “الجسر”… منصة تعبر معك إلى المستقبل.

في الحلقة الرابعة
“ناهيا قبل العاصفة: شهادة من قلب يناير”
“من مسجد السنية إلى ميدان التحرير: حكاية الغضب المتصاعد”
“يناير 2011… حين اشتعل الشارع واهتزت الدولة”

منتصف يناير 2011
بدأت الدعوات للنزول إلى الشارع تتعالى بشكل كبير، خاصة بعد اندلاع الثورة في تونس. انتشرت هذه الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة واسعة، وبدأ الحديث عن أحداث الانتخابات البرلمانية عام 2010، وقضية خالد سعيد، وظهور فيديو الاعتداء على عماد الكبير، سائق الميكروباص بموقف ناهيا في بولاق الدكرور.

كان حادث عماد الكبير غريبًا في توقيته، لأن واقعة الاعتداء نفسها وقعت قبل ظهور الفيديو بسنوات. القصة بدأت عندما تشاجر شقيق عماد الكبير وزميل له مع سائق ميكروباص آخر واعتديا عليه. وعندما ذهب السائق المعتدى عليه إلى نقطة شرطة ناهيا ليقدّم شكوى، حضر شقيق عماد وزميله واعتديا عليه مرة أخرى. تدخل أمين الشرطة لفضّ المشاجرة، فاعتدى عليه شقيق عماد ومزّق ملابسه. تم القبض عليه، وبعرضه على النيابة العامة أصدرت قرارًا بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق، في انتظار تحريات المباحث التي أقرت بصحة الواقعة. اعترض عماد الكبير على هذه التحريات، فقام النقيب إسلام نبيه، معاون مباحث قسم بولاق الدكرور، بالقبض عليه واقتياده إلى القسم.

حدث ذلك عام 2007، لكن الفيديو لم يظهر إلا في أواخر 2010، وكان يظهر فيه النقيب إسلام نبيه وأحد المخبرين وهما يعتديان على عماد داخل وحدة مباحث بولاق الدكرور. انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وتم القبض على النقيب إسلام والمخبر ومحاكمتهما.

تعاملت مع عماد الكبير بشكل مباشر عام 2010 في بولاق الدكرور. في تلك الفترة كان معروفًا بأنه صاحب الفيديو الشهير. كان شخصًا عاديًا، لكن عمله في موقف ميكروباص ناهيا، وقوة شخصيته أمام السائقين وضعفهم أمامه، جعلته يتحكم في الموقف بشكل استفزازي. وربما كان هذا ما دفع النقيب إسلام نبيه للاعتقاد أن الاعتداء عليه سيكسره أمام باقي السائقين. لكن ما حدث كان العكس؛ فقد أكسبه مزيدًا من التمرد والقوة، وأصبح بطلًا شعبيًا لأنه تعرض للظلم وواجهه.

عندما تعاملت معه شخصيًا وجدته سهل الاستيعاب والترويض ولكن بطريقة خاصة ومختلفة. لكن بحلول ذلك الوقت كان الغضب قد اجتاح الشارع، وأصبح عماد الكبير رمزًا من رموز مقاومة الظلم.

اجتمعت أحداث الانتخابات البرلمانية 2010 وما شابها من تجاوزات، مع قضية خالد سعيد، وانتشار فيديو عماد الكبير، وتحركات حركة كفاية و6 أبريل والاشتراكيين الثوريين، وعدم رضا قطاع واسع من الشباب، لتشكل مقدمات ما حدث لاحقًا.

في 24 يناير 2011، حضر الرئيس الأسبق حسني مبارك احتفالات عيد الشرطة، وهنأ الوزير بالمناسبة، كما رحّب بتحديد المسؤولين عن حادث كنيسة القديسين، وكرم بعض الضباط وغادر مقر الاحتفال.

23 يناير 2011 – الساعة السابعة مساءً
تم تكليفي من قبل إدارتي بالوزارة مشرفًا على خدمات الأمن في منطقة ناهيا، وتحديدًا أسفل كوبري ثروت بداية شارع ناهيا. كان معي مجموعة من ضباط الأمن العام والمباحث الجنائية، ومن بينهم صديقي وزميلي وأخي دمث الخلق الشهيد الرائد أحمد جاد جميل، ضابط مباحث أمن الدولة، الذي استشهد لاحقًا في حادث الواحات. كما كان معي 3 تشكيلات من الأمن المركزي والعمليات الخاصة، تحت إشراف اللواء (م.ن).

منطقة ناهيا منطقة ذات طبيعة خاصة؛ طابعها تجاري، مليئة بالمحال المختلفة، كثيفة السكان، وتضم مساكن شعبية مزدحمة. كما يوجد بها أكثر من مسجد، لكن أخطرها كان مسجد الإيمان، الذي اعتاد الأهالي تسميته مسجد السنية. هذه التسمية وحدها كانت كافية لتكشف خطورته، فقد كان مركز نشاط وتجمع للتنظيمات الإسلامية: الإخوان المسلمين، الجماعة الإسلامية، والسلفيين. لذلك كان تحت متابعة دائمة من الأجهزة الأمنية.

الثلاثاء 25 يناير 2011
تمركزت القوات في مواقعها منذ التاسعة صباحًا. كنا نعلم أن هناك دعوات قوية للتظاهر، خاصة لتزامنها مع احتفالات عيد الشرطة.

بينما كنا نجلس أنا وزملائي الضباط، كان الناس المارة يتوقفون ليسألوا: “هو في حاجة هتحصل؟ البلد فيها قلق؟ ممكن يحصل إيه؟”
كانت التساؤلات كثيرة والقلق ظاهرًا بين المواطنين.

مع اقتراب صلاة الظهر صلينا، ثم طلبنا الشاي. دقائق قليلة بعد الصلاة، جاءنا اتصال من المخبرين المنتشرين في الشارع يبلغون عن تجمعات خارج مسجد السنية، وأن هناك لافتات بدأت تظهر. سألنا عن الأعداد فأجابوا أنها تتراوح بين 50 و100. لكن سرعان ما تحركوا باتجاهنا وتزايدت أعدادهم حتى بلغت ما بين 800 و1000 متظاهر، يرددون الشعارات ويحملون اللافتات.

كانت القوات متأهبة، والأمن المركزي في وضع الاستعداد، والتعليمات واضحة: ضبط النفس وعدم استخدام القوة، وترك المتظاهرين مادامت الأمور تحت السيطرة.

بدأت تصلنا بلاغات عبر الأجهزة اللاسلكية عن مظاهرات في شارع الهرم وفيصل، ثم الجيزة وميدان الدقي. المظاهرات امتدت إلى القاهرة: ميدان عبد المنعم رياض، ميدان التحرير، ميدان رمسيس. ثم إلى المحافظات: الإسكندرية، الإسماعيلية، المحلة الكبرى، والسويس التي اشتعلت.

مع حلول المساء في ناهيا، غادر المتظاهرون الميدان إلى شارع ناهيا وهم يرددون: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.
أدى الناس صلاة العشاء في مسجد السنية، ثم ساد هدوء نسبي، وعاد المتظاهرون إلى منازلهم. أبلغنا العمليات بهدوء الموقف.

في المساء، أعلنت غرفة العمليات عبر الأجهزة اللاسلكية صدور أوامر وزير الداخلية بفض جميع المظاهرات والاعتصامات في أنحاء الجمهورية باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والعصي في حال الضرورة. وبالفعل، تم فض المظاهرات في كل مكان، بينما بقيت الأجواء في ناهيا، كما في بقية الجمهورية، حالة من الهدوء المترقب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى