
في الوقت الذي يحتفي فيه العالم باليوم العالمي للشباب، لا تزال غزة تعيش فصولًا متواصلة من حرب الإبادة والتدمير الشامل، حيث تُقصف الأحلام كما تُقصف البيوت، وتُطارد الحياة كما تُطارد الأجساد. في هذا السياق القاسي، يواجه شباب فلسطين تحديات معيشية غير مسبوقة؛ مياه ملوثة وشحيحة، كهرباء غائبة، فرص اقتصادية معدومة، وبطالة خانقة تُحاصر الطموح وتخنق الأمل.
إن الحرب الدامية التي تعصف بغزة منذ شهور، تركت آثارًا مدمّرة على كافة مناحي الحياة، لكن أثقلها وقعًا هو ما طال فئة الشباب؛ الفئة التي يُفترض أن تكون المحرك الأول للنهوض والتغيير. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد بين الشباب رغبة الهجرة، لا بحثًا عن رفاه، بل هربًا من موت بطيء، وسعيًا وراء بيئة تضمن لهم الأمان، وكرامة العيش، وإمكانية بناء مستقبل.
ولا يمكن أن يُلام الشاب الفلسطيني على تفكيره في مغادرة وطنه، فالظروف تفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال، لكن الخطر يكمن في أن تتحول هذه الهجرة الفردية إلى نزيف جماعي يُفرغ الوطن من طاقاته الحيّة، ويتركه عاريًا من أدوات إعادة البناء والنهوض.
فالشباب ليسوا فقط ضحايا هذا الواقع، بل هم أيضًا مفاتيح تغييره. هم عقول الوطن النابضة، وسواعده القادرة على النهوض، ورُسله إلى المستقبل. وإذا غادروا، فمن سيتولى مهمة إعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ ومن سيكمل مسيرة النضال من أجل الحرية والكرامة؟
في غزة، أصبح قرار البقاء بحد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة. أن يختار الشاب البقاء، رغم القصف والجوع والظلم، هو إعلان صريح بالتمسك بالحق، ورفض لمحاولات التهجير القسري الذي يفرضه الاحتلال بسياسات التجويع والتدمير. هو تأكيد أن الأرض ليست مجرد مكان، بل هوية وانتماء وحق لا يُسقطه الحصار ولا يُلغيه النزوح.
ومع ذلك، فإن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية الصمود أمر غير عادل. لا يكفي الحديث عن الصبر والثبات، بل لا بد من تحرّك فاعل وجاد من الجهات المسؤولة، ومن كافة مكونات المجتمع المدني، لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء الكريم. لا بد من برامج دعم اقتصادي، وتوفير فرص عمل حقيقية، وتشجيع المبادرات والمشاريع الشبابية، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين الشباب من المشاركة في عمليات الإعمار وصنع القرار.
إن قطاع غزة، رغم كل ما حلّ به، قادر على النهوض من تحت الركام. لكن هذا النهوض لا يتم بالشعارات، بل بالإبقاء على الطاقات البشرية على الأرض، وتوفير الحد الأدنى من الظروف التي تحفّزهم على الصمود، لا على الرحيل. فالهجرة ليست قدرًا، والبقاء ليس عبئًا، بل هو موقف، واختيار نابع من إيمان راسخ بأن لنا الحق الكامل في وطن حر، كريم، ومستقل.
وفي يوم الشباب العالمي، نوجّه رسالة إلى العالم: **شباب فلسطين ليسوا أرقامًا في تقارير اللجوء، ولا صورًا في نشرات الأخبار. هم طاقة حيّة، تستحق الحياة، وتستحق الدعم، وتستحق أن يُفتح أمامها أفق العيش الكريم على أرضها**.
وندعو المؤسسات الدولية والحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتها، والضغط من أجل وقف العدوان على غزة، ورفع الحصار، وتمكين شبابها من حقهم في الحياة، والتعليم، والعمل، والمشاركة.
عاشت فلسطين، وعاش شبابها صُنّاع الأمل في زمن الخراب، وحَمَلة راية الحرية في زمن القهر.

