بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية مؤسسة ملاذ تؤكد: لا حماية حقيقية للمرأة العاملة دون ضمان استمرار حقوقها رغم تغيّر ظروف العمل

الجسر – خاص
بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية، أكدت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة أن ضمان حقوق النساء العاملات في الزراعة لا ينبغي أن يتوقف عند الاعتراف بمساهمتهن في الإنتاج، بل يجب أن يمتد إلى توفير حماية فعلية ومستدامة لحقوقهن في العمل والأجر والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية، بصرف النظر عن طبيعة التشغيل أو مدته أو تعدد الوسطاء المسؤولين عنه.
ولفتت المؤسسة النظر إلى أن العاملات في الريف لا يعملن جميعًا في إطار علاقات عمل مستقرة وواضحة؛ إذ ترتبط بعض أنماط العمل الزراعي بالعمالة اليومية والموسمية، والاستعانة بالمقاولين والوسطاء، والتنقل بين مواقع العمل وفقًا للمواسم والاحتياجات الإنتاجية. وفي هذه الظروف، قد تصبح معرفة الجهة المسؤولة عن حقوق العاملة، وإثبات علاقة العمل، والوصول إلى آليات الشكوى والإنصاف، تحديات فعلية تتجاوز مجرد وجود الحقوق في النصوص القانونية.
وأكدت المؤسسة في بيانها بهذه المناسبة أن عدم استقرار العمل يجب ألا يعني عدم استقرار الحقوق، وأن انتهاء الموسم أو تغيّر صاحب العمل أو وسيط التشغيل لا ينبغي أن يؤدي إلى سقوط العاملة خارج مظلة الحماية.
وأكد البيان أن هذه الرسالة تأتي امتدادًا لما طرحته مؤسسة ملاذ لدعم المرأة في ورقة سياساتها المعنونة «العمل غير المستقر للنساء في القطاعين الصناعي والزراعي: فجوات الحماية ومخاطر الاستغلال»، التي تناولت الفجوة بين الحقوق المقررة وقدرة النساء العاملات في أنماط التشغيل غير المستقرة على التمتع بها فعليًا، وانتهت إلى تبني مبدأ «الحق يتبع العاملة» بوصفه المدخل السياساتي الرئيسي لمعالجة هذه الفجوة.
وترى المؤسسة أن هذا المبدأ يكتسب أهمية خاصة في القطاع الزراعي، حيث يجب ألا تظل الحماية رهينة استمرارية علاقة عمل واحدة أو ارتباط العاملة بصاحب عمل محدد؛ بل ينبغي تطوير آليات تضمن استمرار وصولها إلى الحماية والتغطية التأمينية والخدمات ذات الصلة، مع مراعاة طبيعة العمل الموسمي وتعدد أطراف التشغيل.
كما شددت المؤسسة على أن مسؤولية الحماية لا ينبغي أن تضيع بين صاحب الأرض، والجهة المستفيدة من العمل، والمقاول، والوسيط، فكلما تعددت أطراف التشغيل، ازدادت أهمية تحديد المسؤوليات بوضوح، وتفعيل الرقابة على ظروف العمل، وضمان وجود آليات عملية تستطيع العاملة اللجوء إليها دون أن تواجه وحدها تعقيدات إثبات حقوقها أو مخاطر فقدان مصدر دخلها.
ولا تنفصل هذه القضية عن سلامة العاملات خلال انتقالهن إلى مواقع العمل وعودتهن منها؛ فوسائل النقل المرتبطة بالعمل، وظروف الانتقال، ومخاطر التعرض للحوادث أو الاستغلال، ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءًا من منظومة السلامة والحماية المهنية، لا شأنًا منفصلًا عن مسؤوليات التشغيل.
وأكدت المؤسسة كذلك أن هشاشة الدخل، وعدم انتظام فرص العمل، وتداخل العمل المأجور مع مسؤوليات الرعاية المنزلية، ومحدودية البدائل الاقتصادية، قد تضع العاملات أمام خيارات شديدة الصعوبة، وتحد من قدرتهن على الاعتراض على ظروف العمل غير الآمنة أو المطالبة بأجورهن وحقوقهن. ومن ثم، فإن الحماية الفعلية تتطلب معالجة هذه العوامل المتداخلة، لا الاكتفاء بإجراءات توعوية لا يصاحبها تغيير في آليات التنفيذ والمساءلة.
وفي هذا الإطار، دعت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة الجهات الحكومية المعنية، وأصحاب الأعمال، والجهات المستفيدة من الإنتاج الزراعي، إلى اتخاذ خطوات عملية تشمل:
ضمان استمرارية الحماية: تطوير آليات تتيح للعاملات الاحتفاظ بحقوقهن والاستفادة من الحماية الاجتماعية رغم تغير صاحب العمل أو الموسم أو موقع التشغيل، وفقًا للأطر القانونية المنظمة.
تحديد المسؤولية عن التشغيل: وضع آليات واضحة للمساءلة تمنع تنصل الأطراف المستفيدة من العمل من مسؤولياتها، وتعالج فجوات الحماية الناتجة عن تعدد المقاولين والوسطاء.
تعزيز التفتيش والرقابة: توجيه الرقابة إلى مواقع وأنماط التشغيل الأكثر عرضة للمخاطر، مع الاهتمام بظروف العمل الزراعي الموسمي واليومي، والسلامة المهنية، وانتظام الأجور، ومدى الالتزام بالحقوق المقررة.
حماية العاملات أثناء الانتقال: إدراج سلامة وسائل النقل المرتبطة بالعمل ضمن إجراءات تقييم المخاطر والرقابة، واتخاذ تدابير عملية للحد من المخاطر التي تواجه النساء في رحلات الانتقال إلى مواقع التشغيل ومنها.
تيسير الشكوى والوصول إلى الإنصاف: إتاحة قنوات واضحة وميسرة لتلقي الشكاوى والإحالة إلى الجهات المختصة، مع مراعاة صعوبة الوصول إلى الخدمات في القرى، ومخاطر الانتقام أو فقدان الدخل التي قد تمنع العاملات من المطالبة بحقوقهن.
تحسين البيانات وآليات المتابعة: تطوير قواعد بيانات ومؤشرات تساعد على فهم أوضاع النساء في العمل الزراعي غير المستقر، وقياس مدى وصولهن إلى الحماية الاجتماعية والمهنية، وتقييم فاعلية التدخلات الحكومية والمؤسسية.
تعزيز الحماية في المجتمعات المحلية: تفعيل دور المؤسسات والآليات المحلية في التعريف بالحقوق، ورصد فجوات الحماية، وتوجيه العاملات إلى الجهات المختصة، دون إحلال المبادرات الأهلية محل مسؤوليات الدولة أو أصحاب العمل.
وشددت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة على أن معالجة العمل غير المستقر لا تعني إلغاء العمل الموسمي أو اليومي الذي تفرضه طبيعة بعض الأنشطة الزراعية، وإنما تعني ضمان ألا تتحول مرونة التشغيل إلى مدخل لانتقاص الحقوق أو نقل مخاطر العمل إلى النساء وحدهن.
وفي اليوم الدولي للمرأة الريفية، أكدت المؤسسة أن تقدير دور المرأة في إنتاج الغذاء ودعم الاقتصاد المحلي يجب أن يقترن بضمان حقوقها الفعلية في العمل والحماية والإنصاف. فالمرأة التي تساهم في استمرار الإنتاج الزراعي وتأمين سبل العيش تستحق أن تكون حقوقها جزءًا أصيلًا من منظومة الإنتاج، لا امتيازًا يتوقف على استقرار عملها أو قدرتها على تحمل المخاطر.
وتجدد مؤسسة ملاذ لدعم المرأة دعوتها إلى الانتقال من الاعتراف بمساهمة العاملات إلى بناء منظومة حماية تستجيب لطبيعة العمل الذي يقمن به؛ منظومة لا تسقط حقوق المرأة عندما ينتهي الموسم، ولا تتركها وحدها أمام تعدد الوسطاء، ولا تجعل المطالبة بالحق مخاطرة بفقدان مصدر الرزق.



