مقالات

تقدير موقف .. هل «قاع الهامور» تريند سياسي؟

بقلم/ الدكتور يوسف ورداني
رئيس مجلس أمناء مؤسسة قدرات مصر للشباب والتنمية
مساعد وزيري الشباب والرياضة السابق

سألني بعض أصدقائي المهتمين بالشأن العام خلال الساعات الماضية: هل «قاع الهامور» مجرد تريند عابر، أم يحمل دلالة سياسية؟ وهل يمكن أن يتطور؟ وكيف نتعامل معه: نتجاهله، نقترب منه، أم ننضم إليه؟

قد تبدو الأسئلة أكبر من ظاهرة ساخرة خرجت من عالم «سبونج بوب» وتحولت إلى مدينة افتراضية لها سكانها وشكاواها ومواقفها اليومية. لكن الظواهر الرقمية لا تُقرأ فقط من محتواها المباشر؛ أحيانًا تكمن أهميتها فيما تكشفه عن المجتمع، وعن الطريقة التي يختار بها الناس التعبير عن تجاربهم.

في تقديري، «قاع الهامور» ليس تريندًا سياسيًا، ولا توجد حاليًا مؤشرات موضوعية تجعله حركة احتجاجية أو تعبيرًا عن موقف سياسي جماعي. انتشاره مفهوم من اجتماع عناصر واضحة: شخصيات ارتبط بها جيل كامل، وقالب سهل المشاركة، ومساحة يستطيع فيها المستخدم تحويل تفاصيل حياته اليومية إلى قصة ساخرة.

لكن السخرية هنا تتجاوز الإضحاك. مشكلة في العمل، أو ضغط اقتصادي، أو موقف اجتماعي يمكن أن يتحول إلى «حكاية من قاع الهامور»، فيصبح التعبير عنه أسهل وأقل مباشرة. وحين يجد آخرون أنفسهم في الحكاية نفسها، تنتقل التجربة من الخاص إلى المشترك، ولو بصورة مؤقتة.

وهذه إحدى خصائص اللغة التي صنعتها المنصات الرقمية، خصوصًا لدى الأجيال الأصغر. فالميم والكوميكس والفيديو القصير لم تعد أدوات للترفيه فقط؛ يمكن أن تصبح وسائط للتعليق على العمل والاقتصاد والعلاقات والحياة اليومية من دون خطاب سياسي مباشر. لذلك فإن قراءة المزاج العام لم تعد ممكنة من خلال الخطاب السياسي التقليدي وحده.

لكن الانضباط ضروري هنا: ليس كل تجمع رقمي احتجاجًا، وليست كل شعبية تنظيمًا، وليس كل سخرية رسالة سياسية مشفرة. «قاع الهامور» في صورته الحالية أقرب إلى ظاهرة اجتماعية واسعة منه إلى ظاهرة سياسية. وما يستحق المتابعة ليس حجم التفاعل وحده، وإنما الموضوعات التي تتكرر داخله، وهل تظل في حدود الترفيه أم تجد صدى في الواقع.

والخبرات الدولية تقدم درسًا مهمًا: الرمز الشعبي لا يظل بالضرورة أسير معناه الأول. شخصية «Pepe the Frog»، التي بدأت كشخصية كوميكس، اكتسبت لاحقًا استخدامات سياسية متباينة، وأعيد توظيفها في احتجاجات هونغ كونغ عام 2019. لا توجد مقارنة مباشرة بين هذه التجربة و«قاع الهامور»، لكن الدرس الذي يهمنا هو أن المعنى السياسي قد لا يكون موجودًا في أصل الرمز، وإنما قد يصنعه السياق الذي ينتقل إليه لاحقًا.

وفي مصر، أظهرت تجربة 2011 أن وسائل التواصل لم تصنع التحولات السياسية بمفردها، لكنها سرعت الاتصال ووسعت الشبكات ومنحت اتجاهات قائمة أصلًا قدرة أكبر على الانتشار. والدرس هنا أن المنصة لا تصنع التحول وحدها؛ السياق الاجتماعي والسياسي هو الذي يمنحها قدرتها على التأثير.

لذلك فالسؤال الأدق ليس: هل سيصبح «قاع الهامور» سياسيًا؟ وإنما: ما الذي يجب أن يتغير حتى نعيد تقييمه؟ إذا ظل محتواه متنوعًا وساخرًا وسريع التبدل، فنحن أمام تريند طبيعي. أما إذا استقر حول قضية محددة، وظهر خطاب جماعي واضح، واستمر خارج دورة التريند، أو ظهرت محاولات منظمة لتوجيهه، أو انتقل تأثيره إلى سلوك واقعي، فحينها نكون أمام ظاهرة مختلفة تستحق قراءة جديدة.

أما سؤال «هل ننضم؟» فالإجابة في رأيي: لا ينبغي للمؤسسات أن تركب كل موجة عالية ولا ينبغي للأفراد الجري وراء المجهول. المساحة التي تنشأ بعفوية تفقد كثيرًا من قيمتها عندما تتحول إلى منصة دعائية، وقد تخسر المؤسسة مصداقيتها في محاولة اكتساب شعبية سريعة. الأفضل هو الفهم: الإصغاء إلى ما يتكرر، ومقارنته بالبيانات والاستطلاعات والمؤشرات الواقعية، ثم التعامل مع القضايا الحقيقية بأدوات السياسة العامة والحوار والمشاركة.

فإذا كانت السخرية تعكس مشكلة حقيقية، فإن معالجة المشكلة أكثر فاعلية من الاشتباك مع السخرية. وإذا لم تكن سوى مساحة للترفيه والحنين والمشاركة، فإن تركها لدورتها الطبيعية أكثر حكمة من منحها أهمية لا تستحقها.

ومن الزاوية التحليلية، لا يقدم «قاع الهامور» بصورته الحالية ما يبرر التعامل معه كتهديد. الأهم هو امتلاك قدرة مؤسسية على التمييز بين الضجيج والإشارة: بين موجة تنتهي بانتهاء الاهتمام، واتجاه اجتماعي يستمر ويتبلور حول قضية أو مطلب أو سلوك جماعي. فعدد المشاركات وحده لا يصنع خطرًا، كما أن تجاهل التحولات المتكررة ليس سياسة.

وهنا تكمن القيمة الأعمق للظاهرة. المنصات لم تعد مجرد مكان يعرض فيه المجتمع ما يحدث؛ أصبحت مساحة يعيد فيها صياغة تجربته ويختبر لغته ويكتشف بسرعة من يشاركه التجربة نفسها. ومن يريد فهم المجال العام اليوم يحتاج إلى فهم هذه اللغة، دون أن يبالغ في تفسيرها أو يستخف بها.

لذلك فإن حكمي على «قاع الهامور» واضح: ليس تريندًا سياسيًا حتى الان، ولا مؤشرًا قائمًا بذاته على اضطراب، لكنه ظاهرة اجتماعية تستحق قراءة سياسية هادئة. فقيمته الحقيقية ليست في أن يخبرنا بما سيحدث غدًا، وإنما في أنه يمنحنا نافذة صغيرة على الطريقة التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى