مقالات

لا… لم نخسر في كأس العالم، ولكنهم هم الأخسرُ

بقلم اللواء/ حسام سلامة
الخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي

هناك هزائم تُسجل في النتيجة، وهناك انتصارات لا تستطيع الأرقام أن تعكسها. وما شهدناه في كأس العالم لم يكن مجرد مباراة انتهت بفوز فريق وخسارة آخر، بل كان درسًا في أن الكرامة والاحترام قد يكونان أكبر من أي نتيجة على لوحة الأهداف.

لقد لعب المنتخب كرة قدم تليق باسمه وتاريخه، وقدم أداءً نال احترام الملايين داخل الوطن العربي وخارجه. أثبت اللاعب المصري أنه قادر على منافسة كبار العالم، وأن الفارق لا يقاس دائمًا بالنتيجة، بل بالشخصية والإصرار والروح.

أما المباراة أمام الأرجنتين، فقد انتهت بنتيجة يعرفها الجميع، لكن الجدل الذى أحاط بها جعل كثيرين يتساءلون عن بعض القرارات والأحداث التي صاحبتها. وفى النهاية، يبقى الانطباع الذى خرج به ملايين المشاهدين أن كرة القدم لم تعد بعيدة عن الضغوط والمصالح، وأن الرياضة أصبحت فى كثير من الأحيان تتأثر بعوامل تتجاوز المستطيل الأخضر.

ولذلك يجب أن نعترف بأن العالم اليوم تحكمه المصالح، وأن كثيرًا من الأحداث، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو حتى رياضية، لا تنفصل عن هذه الحقيقة. والاعتراف بذلك لا يعنى الاستسلام له، بل يعنى أن نفهم الواقع حتى نستطيع التعامل معه بوعى وثقة.

ومع ذلك، فإننا خرجنا من هذه البطولة بمكاسب أكبر من أى كأس.

كسبنا احترام العالم لما قدمناه من أداء وروح قتالية.

وكسبنا تعاطف جماهير كثيرة رأت فينا نموذجًا للفريق الذى لم يستسلم حتى اللحظة الأخيرة.

وأثبتنا لأنفسنا قبل غيرنا أننا نملك القدرة على المنافسة عندما تتوافر الإرادة والعمل.

والأهم من ذلك كله أننا رأينا كيف يمكن للرياضة أن تجمع الشعوب العربية خلف هدف واحد، وأن تعيد إلينا شعورًا جميلًا بالوحدة والتضامن.

كما اكتشفنا قوتنا الحقيقية، ليس فقط داخل الملعب، بل خارجه أيضًا. رأينا المصريين فى كل أنحاء العالم يقفون خلف منتخبهم ووطنهم، يحملون العلم بفخر، ويعبرون عن انتمائهم بكل اعتزاز. شعرنا بأن الوطنية ليست مجرد كلمات، وإنما إحساس يعيش فى القلوب ويظهر عندما يحتاجه الوطن.

وتعلمنا أيضًا معنى القوة الناعمة، وكيف يمكن لصورة مشرفة، أو موقف نبيل، أو جمهور واعٍ، أن يصل إلى العالم كله دون سلاح أو صراع. فالقوة الناعمة هى التى تفتح القلوب قبل أن تفتح الأبواب، وهى أحد أهم عناصر قوة الدول في العصر الحديث.

كما لفتت مواقف الجماهير المصرية أنظار العالم إلى تمسكها بالقضية الفلسطينية، ورفضها لتهجير الشعب الفلسطيني، وهو موقف عبّر عنه كثيرون باعتباره امتدادًا لمواقف تاريخية ترى أن القضية الفلسطينية قضية عادلة تستحق الدعم والحفاظ على حقوق أصحابها.

وفى النهاية، ربما كانت أعظم مكاسب هذه البطولة أنها أيقظت داخلنا شيئًا كاد أن يختفى. أيقظت الحب والانتماء، وأعادت إلينا الثقة بأن المصريين إذا اجتمعوا على هدف واحد استطاعوا أن يصنعوا ما يظنه الآخرون مستحيلاً.

لذلك، يا كل مصري، لا تجعل هذه المشاعر تنتهى بانتهاء البطولة. اجعلها بداية جديدة. فالعالم لا يحترم إلا الأمة التي تعمل، وتتعلم، وتنتج، وتطور نفسها باستمرار.

تعلم من كأس العالم أن المنافسة الحقيقية ليست في كرة القدم وحدها، بل في الصناعة، والعلم، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والقوة العسكرية، وبناء الإنسان.

ابنِ… ثم ابنِ… ثم ابنِ.

ولا تتراجع أمام أي تحدٍ، فالأمم لا تنهض باليأس، وإنما بالإرادة والعمل.

إن مستقبل مصر لا يصنعه حلم عابر أو مباراة واحدة، وإنما يصنعه شعب يؤمن بقدرته على التقدم، ويواصل العمل دون توقف.

وإذا كانت كرة القدم قد جمعت قلوبنا، فليكن البناء والعمل هما الطريق الذى يجمع جهودنا.

إلى الأمام دائمًا… فالمستقبل لا ينتظر إلا لمن يسعى إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى