مقالات

حين يفقد الإنسان بصره ولا يفقد ذاته

بقلم/ الدكتورة – صابرين جميل متولي  – مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية نور البصيرة لرعاية المكفوفين

في حياة كل إنسان محطات فارقة، لحظات لا تمر مرور العابرين، بل تعيد رسم الطريق من جديد. وقد يأتي هذا التغيير في صورة امتحان مباغت، يهز أعماقنا ويدفعنا لإعادة تعريف كل ما كنا نعتبره بديهيًا.

وفقدان البصر، خاصة حين يحدث في مرحلة النضج والشباب، ليس مجرد فقدان لحاسة من حواس الجسد، بل هو انتقال قاسٍ من عالم مألوف إلى عالم جديد تمامًا، عالم يحتاج شجاعة لاكتشافه، وإرادة صلبة لبنائه من جديد.

الإعاقة البصرية المكتسبة تجربة إنسانية صعبة قد يمر بها أي شخص في مرحلة ما من حياته، وغالبًا ما تأتي بشكل مفاجئ، دون استعداد مسبق أو إنذار. في اللحظات الأولى، يختلط الذهول بالخوف، والحزن بعدم اليقين، وتبدأ الأسئلة الثقيلة في الظهور:
كيف سيكون المستقبل؟
هل سأظل مستقلًا؟
كيف سأعمل؟
وكيف سأعيش حياتي اليومية؟

ولا يمر الإنسان بهذه التجربة وحده؛ فالأسرة شريك أساسي في الألم والقلق ومحاولة الفهم. تدخل الأسرة بدورها في حالة من الحيرة، بين الخوف الزائد والرغبة في الحماية، وبين البحث عن أفضل السبل للتكيف مع الواقع الجديد. وهنا يصبح من الضروري أن ندرك أن هذه المشاعر جميعها طبيعية، وأن تقبّل الواقع لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت، وصبر، ودعم نفسي حقيقي ومتواصل.

الإعاقة البصرية لا تلغي قيمة الإنسان، ولا تنتقص من قدرته على العطاء أو الإبداع، لكنها تفرض أسلوبًا جديدًا للحياة، يتطلب إعادة اكتشاف الذات والقدرات. ومع التأهيل المناسب، يستطيع الشخص فاقد البصر أن يتعلم مهارات الحركة الآمنة، واستخدام العصا البيضاء، وطرق القراءة والكتابة البديلة، والاعتماد على التكنولوجيا المساندة التي فتحت آفاقًا واسعة للاستقلال والعمل والتعلم.

ويظل دور الأسرة محوريًا في هذه المرحلة؛ فالإيمان بقدرة الابن أو الابنة على الاستمرار، وتشجيعه على الاستقلال بدل الحماية الزائدة، هو الفارق الحقيقي بين التمكين والإعاقة المضاعفة. كما أن للمجتمع دورًا لا يقل أهمية، من خلال التعامل باحترام، وتقديم الدعم دون شفقة، وإتاحة الفرص دون تهميش.

لقد فقد كثيرون بصرهم، لكنهم لم يفقدوا أحلامهم. بل على العكس، صنعوا قصص نجاح ملهمة في مجالات التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، وأثبتوا أن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في غياب الفرصة أو ضعف الوعي.

الإعاقة البصرية المكتسبة ليست نهاية المطاف، بل قد تكون بداية جديدة لاكتشاف القوة الداخلية، وبناء حياة أكثر وعيًا، وأكثر عمقًا، ومليئة بالإنجاز والمعنى. وهي دعوة مفتوحة لنا جميعًا أفرادًا ومؤسسات لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الإعاقة، ولنكون جزءًا من رحلة التمكين لا عائقًا أمامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى